الذكري 23 لشهداء 28 رمضان 2013

مشاركة من سوداتيزاونلاين:

(وتَّهتِف أُمي بَّين الحّشد.. حَّبِيبيِ؛ عُد لي جُثمّاناً؛ أَرفعُ رأسي
وأُقبلُ نَعشك .. لا ترجع مُنسحبِاً وجبانٌ...
فأُسارِع بِالنِصل الخّانِع أبتر كُل كَفِي لِكي لا تُمُسِك قلماً
يَّرضى توقيع الذُل ..... وأهتِف ...
إنِي أزداد إباءً وشموخاً، إذ يزداد طِعان الأوغاد...
فجُنون السوط علي الجسد تَعبِيراً عن خوفِ الجلاد)
"أيمن أبو الشعر"
تهلُ علينا، بعد أيام معدودات، الذكري (23) لشهداء الحرية، والكرامة والوطنية، والسيادة السودانية، شهداء (28) رمضان، الموافق 24 أبريل 1990، ثمانية وعشرون كوكباً من ألمع، ضباط القوات المسلحة السودانية، وأنجبهم علماً، وأثقبهم سطوعاً، في سمائها الراعد دوماً، وأحذقهم إحترافاً، وأكثرهم، تأهيلاً وأخبرهم مهنياً، وأخلصهم لشعبهم، وأعفهم يداً، , وأزكاهم لسانا، وأبرهم لأهلهم , يرحمون الصغير، ويوقرون الكبير، وبشهادة كلٍ من عاصرهم، وعاشرهم، وجاورهم، وزاملهم، وصادقهم، وعرفهم، وعرف فضلهم، وسمع عنهم؛ فلهم شبائيب الرحمة، وهم عند ربهم يُرزقون، وعند شعبهم لخالدون.
قبل أن يغادروا هذه الفانية غدراً، وظلماً، وغيلا، وهم لا يملكون من حطامها إلا شرف الإنتماء لتراب هذا الوطن المنكوب، بإ ناس؛ تغطي الكراهية سيمائهم، من أثر الجور، ووجههم الغبرة ترهقها قترة تغطى ملامحها؛ من الحقد، والظلم، والكراهية، لكل أبناء السودان، الشرفاء الأوفياء، وأفواهم تنفث حقدا، مأفون ينفثونه بخاً، كلما أشرقت شمس وفلق صباح جديد.
إستشهدوا، هؤلاء الأبطال، كالنخل السوامق الشامخات ، روؤسهم تعانق صدر السماء في إباءٍ وصلابه، و صمودهم يماثل ثبات الجبال، أوتادأ للأرض، رحلوا من هذه الفانية بعد أن مهروا بشرف؛ دمائهم الزاكية في سجل الخالدين الأبرار، ونالوا قلادة شرف الثوار الأحرار؛ وكصيب من السماء رُويت الأرض وخُضبضت، بدمائهم الغالية، و جادوا بأرواحم قراباناً وتقرباً وفداً.
يا ثأرنا الخالد.. نُحي، في هذه الأيام، المباركات من العشرة الخواتيم لهذا الشهر الكريم، ذكراكم..ال (23)، ذكراكم المضمخة بدمائكم الطاهرة الزكية، وأرواحكم ترفرف علي جناحي الخلاص تظلل الوطن بغيم ركام، وتطالب بالقصاص، ليكون حياة لأولي الألباب.
ثمانية وعشرون نجماً ثاقب، ذبحوا علي خاصرة، جبل سركاب، في رُوبي كرري، من ذات المكان، الذي تحدث عن رجالٍ كالأسودِ الضارية، خاضوا اللهيب وصمدوا، صمود الجبال الراسية ما لان، فرسانٌ بل رُعب جمع الطاغية.
المجزرة البشرية، التي إرتكبتها عصابة (الإنقاذ)، المتسربلة بالدين، إفكا،ً وكذب، ورياء، في سنتها الجاهلية الأولي، مُّعِمده عهدها الدموي، وسجلها الأسود ، الملطخ بالتطهير العرقي، والإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والفساد، والإستبداد، الجوع، والمصاعب، والمساغب، والمظالم والحروب، وتطفيف الكيل، وخسران الميزان،.... وبإغتيال هؤلاء الأبطال، تلك الجريمة التي نفذتها بخسة، وجُبن لهي، جريمة مكتملة الأركان المادية، والمعنوية، ومسبوقة، بالأصرار، والترصد، والغدر ... أرتكبت الجريمة بدم بارد .. وتخطيط رجال العصابات المنظمة، والمافيا، وبارونات الجريمة وأباطرة الإرهاب المنظم والحرب،. تجرد مرتكبيها من كل قيم الأخلاق، وأركان الدين، ومعاييرالإنسانية، و مقايس الرجولة السوية، والشهامة العسكرية، والكرامة السودانية السمحة، وهي تخالف شريعة السماء، وقوانين الأرض، والقانون الدولي الإنساني، وحتى قانون الغاب !!، وتستوجب التحقيق الدقيق، وتقصي الحقائق، والتكييف القانوني للجرائم، ومن ثم المحاكمة والعقاب، ورد الإعتبار لهؤلاء الأبطال، خاصة إنها من، الجرائم التي لا يمكن، أن يطويها النسيان، أو السنين الطوال، أو تسقط بالتقادم. طال الزمان أو قصر.
ومرتكبيها، أغلبهم مازالوا أحياء يُجرِمُون، ويعيثون فساداً في الوطن، وعلى رأسهم عمر البشير، المطلوب لدى، المحكمة الجنائية الدولية، في جرائم دارفور،... ويّحكمون، ويَّظلمون، ويّتمتعون، بأموال الغلابة، واليتامي، وأبناء السبيل، من أبناء الشعب، في حِلِهِم وتِرحالِهم، وظهرت عليهم مظاهر الثراء الحرام، من أموال الشعب، في مأكلهم، ومشربهم، وملبسهم، ومسكنهم، ومّركَبهم، ومعطرهم، ونسائهم.. مثنى، و ثلاث، ورباع، وهم في غيهم يعمهون، ويفسدوا فيها ويريقوا، في الدماء أنهار....
وبعضهم، كالزبير محمد صالح، وإبراهيم شمس الدين، تكفلت بهم عدالة السماء، فكانت، ذات الأنتنوف، أداة الموت التي يمطرون بها المهمشين، والمُحتجين، المُطالبين، بحقوقهم المسلوبه ضُحى، وأبناء السبيل، وفي سبيل الكرامة، هي أداة موتهم وفنائهم.
يا سبحان الله..!!، يُمهِل؛ ولا يَهمِل... فتشوهت جثثهم، وإحترقت رفاتهم، وأصبحت هباءاً منثورا، عظة، وعبرة، للمتعظين، فهل من متعظ؟!... "ويوم المظلوم علي الظالم، أشد من، يوم الظالم علي المظلوم " كما قال: الإمام علي كرم الله وجهه.
عليهم أن يتذكر، هؤلاءِ الطغاة الفراعنة... وعلي رأسهم عمر البشير ، ونافع علي نافع، وعلي عثمان، وكل من ساهم في إرتكاب هذه الجريمه المخزية، من عَّذب خسة، ومن حكم جوراً، ومن قاد فرق ضرب النار تشفياً، ومن أمر بالقتل بغياً وعدوانا... وتآمر سراً، وجهراً، فعلاً، و قولا،ً و إقراراً، أو بالصمتِ سكوتاً خوفاً أوطمعاً وتزلفاً؛ عليهم أن يتذكروا، دعوات الأمهات الصابرات، والزوجات الصالحات، والبنات والبنين البررة، والأخوات والأخوان الأوفياء، والجيران الأحباء، والأصدقاء الأخلاء، وهم أجمعون، يرفعون أكفهم صوب السماء تضرعاً وخفية، أملاً وخشية، وليست بينهم، وبين الله حجاب، كما ثبت في صحيح الأحاديث؛ وفي هذه الأيام الزاكيات المباركات (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) وحيث ليس، للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع. " وبئس الزاد إلي المعاد، العدوان علي العباد" كما قال الإمام الشافعي رحمه الله، إنها عدالة من لا يحاصص، ولا يحابي، أو يجامل،
الظلم ظلمات إلى يوم القيامة:

قصص... وغصص.. وحكايات.. وروايات...ومواقف
ولكي تظل الذاكرة متوقدة لحفظ المعلومة، وللتوثيق، وبث الوعي، وإثراء التغذية الإسترجاعية، ندون، نوثق، نكتب، نكرر ونعيد، بلا ملل، أو كلل، حتي لا ننسى، ونملك الأجيال القادمة الحقيقة، ونستلهم العبر، ونعرف معادن الرجال.
هل من يرتكب، مثل هكذا جرائم يمكن أين أن يكون شخص سوي؟ اليكم....هذا الخبر الذي
نشر موقع (صحيفة حريات)
فتأمل، وقارن، ووازن، وحكم عقلك..الفطن (قاريء العزيز)
(أشارت كوندليزا رايس في مذكراتها بعد لقائها بعمر البشير انه ( يبدو كمتعاطي مخدرات) ، ونقتبس هنا مقطعا من كتابها حول لقائها بعمر البشير في صيف 2005 وهو اللقاء الذي وصفته أيضا بال(مشهد الغريب)
– Rice described “a truly weird scene” when she met with Sudanese President Omar Hassan Ahmed Bashir in the summer of 2005.
Bashir spoke slowly, moving his head back and forth, from side to side,” Rice wrote. “He looked as though he was on drugs.
(البشير كان يتحدث ببطء ، ويحرك رأسه للأمام والخلف، ومن جانب لجانب. لقد بدا كمن يتعاطى المخدرات).

تأمل أيضاً أدناه، عطفاً لملاحظة، السيدة رايس أعلاه...
* من موقع( صحيفة حريات الإلكتروني) نشر الاستاذ عبد العزيز بركة ساكن على صفحته بالفيسبوك شهادة زوجة أحد شهداء رمضان تروى فيها قوة علاقة عمر البشير بأسرتها وكيف انه أعدم زوجها (صديقه) رغم ذلك.
وقالت في رسالتها ( عمر البشير مسئول عن قتل زوجى ويُسأل مننا في مثل هذا اليوم الرمضاني ؟ عمر البشير كان صديق لزوجى منذ الثانوى .. وكان يزورنا فى المنزل دائما .. ويبيت معنا .. ويدخل المطبخ معنا .. وياكل ويشرب ويغسل و ينام معنا .. وكانت علاقتنا الأسرية به قوية .. أولادى كانوا يجلسون أمام الراديو ليسمعوا عمر البشير صديق والدهم الذى يعرفونه جيدا يعلن إعدام والدهم .. رمياً بالرصاص .. كانت لحظات قاسية .. فأنا لدى تسعة أطفال صعقوا بأن والدهم إختفى من حياتهم دون مقدمات .. وعند ذهابنا لإستلام الجُثث تفاجأنا فى القيادة العامة بطردنا وتهديدنا بالسلاح للإبتعاد .. والي الآن لم يتركنا في حالنا ظل يُلاحقنا ويعتقلنا وقبل سنوات إعتقلوا أولادي السبعة لأنهم كانوا يرتبون للتأبين السنوى لأبيهم بمنزل اللواء عثمان بلول، فداهموا المنزل وكانوا عربتين من المسلحين وكل أولادي كانوا سبعة فقط .. فانهالوا عليهم ضرباً وأخذوهم لمكاتب الأمن واعتقلوهم لأيام وظلوا يعتقلونهم وصادروا عرباتهم ..).

وأضافت ( وآخر ما توصل له صديق العائلة أن يُهددنا بأنه سيصُادر بيوتنا إن قمنا بعمل التأبينات فيها .. ورغم ذلك كل عام نطالب بذات مطلبنا أن نُسلم جثثهم ونعرف مقابرهم، وأن نطلع على حيثيات محاكمهم. لم يسأل عنا البشير ولم أسمع عنه شىء إلا مرة واحدة في رمضان 92 عبر ( عسكرى ) جاءنى وأخبرنى أن البشير بيسأل مننا فأرسلت ردى بقصيدة مطلعها : قسماً قسماً لن ننهار .. وأسر الشهداء تجيب التأر ….إن شاء الله دماءنا تسيل أنهار). إنتهى.. هل يمكن أن يكن هذا الإنسان سوياً، اشك في ذلك على الأقل..
* وهي السيدة/ خديجة عثمان زوجة الشهيد محمد أحمد قاسم, لاحظ (قاريء الفاضل) هذه الأفعال التي تتنافى والشخصية السوية، والفطرة السليمة، والقيم النبيلة التي تُراعي العشرة، وسماحة الخصال، ولا تفجر عند الخصام، وتظلم بسادية مريضة، تعاني من مركب نقص مسيطر.
*المقدم بشير الطيب، أُقتيد إلي ساحة ضرب النار شبه ميت، بسبب إصابته، بطلق ناري أصيب به، من قِبل سائق الرائد حينئذ إبراهيم شمس الدين، أمام بوابة القيادة العامه. مما يتنافي مع كل القيم والمعايير الدينية والإنسانية، والشرائع والقوانين.
* العقيد محمد الأمين خليفة، قام بطعن اللواء طيار محمد عثمان كرار، بكل خسة، ونزالة وهو أعزل، ووصف الشهداء القادة، بأنهم كانوا مخمورين في شهر رمضان، بغرض تشويه صورتهم، وقتلهم معنوياً، بكذب وإفتراء مفضوح ومخزي، وبهتان مبين.
* اللواء. أ.ح. عثمان بلول، تم إعتقاله تحفظياً، من منزله يوم 17 أبريل 1990 الموافق 21 رمضان ، أي قبل المحاولة، وقبل إعدامه بإسبوع، وأيضاً العقيد محمد أحمد
قاسم، مما يؤكد تبيت النية بقتلهم، من البشير شخصياً، مع الإصرار والتربص الغدر، الذي لم يراعي، فية العشرة ولا الزمالة و الصداقه (الملح والملاح التي لا تهون علي سوي أصيل، "أنظر رواية السيدة الفاضلة زوجة الشهيد قاسم أعلاه وتأمل.!"
* الفريق عبد الرحمن سوار الذهب، رئيس الفترة الإنتقالية، ووزير دفاع الطاغية نميري، ومهندس إنتخابات 86، لمصلحة الجبهة القومية الإسلامية، والتي قفزت علي السلطة فيما بعد علي ظهر دبابة (الإنقاذ) المشئومة، وكافئه التنظيم العالمي، للأخوان المسلمين بتعينه أمين أمناء لمنظمة الدعوة الإسلامية- براتب دولاري خرافي- شارك كوسيط في مفاوضة اللواء. أ.ح عبد القادر الكدرو بدعوى حقن الدماء، كما إدعي وبخدعة ماكرة، "إن كانت بعلمه، أوغشامة منه"، فقد سلم الشهيد، لفرقة الإعدام ضُحى، في روبى كرري، التي أجهزت عليه، بدم بارد و يتحمل وزره مسؤليته كاملة، إلي يوم يبعثون، فيما وعد به من تحقيق عادل ومحاكمة عادله، وإزالة أسباب الإحتقان، (كتاب العميد عصام الدين ميرغني، ( أبوغسان) (الجيش السوداني والسياسه- 2002) هل أوفي بما عاهد به ..؟ وكان من الصادقين، أم كان تآمره المشهود – خوفاً أو طمعاً، والذي سجله التاريخ الأسود للرجل، حين أخلف فكان من زمرة الكاذبين، حانثي العهد، وناقضي المواثيق، رغم مظهره الكاذب، المتدثر بالدين الزائف، وتمثيل الإيثار، والزهد المصتنع، والبطولة المخاتلة،... تا لله لولا ضعفه، وقوة المؤسسة العسكرية حينئذ، والتي كان ومن ضمن رجالها نفر مقدر من مجموعة الشهداء هؤلاء، ولولاهم لما أَقتلع من الحكم.. والرجال مواقف، وعند الشداد تبين المعادن، اما التِبن فيجرفه السيل زّبد. وللتاريخ مزبلته، كما له سجله الناصع البياض... وكفي تزويراً لتاريخ مازال شهوده أحياء، ويناضلون بالحق، فالرجل يمواقفه المتواطئة، إختار مكانه في مزبلة التاريخ بجدارة وإقتدار ، دعكم عن العواطف، وأنصاف المواقف، فالذين أهيل عليهم التراب في روبي كرري عند خاصرة جبل سركاب في تلك الرمضاء الرمضانية، ليسوا (كيبل كهرباء)!! إنهم أرواح أبطال أفذاذ، من بني الإنسان الذين كرهم فالق الحب والنوي الرحمن على العرش إستوى.
*قائمة الشرف: شهداء رمضان ثمانية وعشرون كوكباً
1. فريق طيار أركان حرب : خالد الزين
2. لواء أركان حرب: عثمان إدريس بلول
3. لواء أركان حرب : حسين عبدالقادر الكدرو
4. عميد طيار أركان حرب : محمد عثمان حامد كرار
5. عقيد أركان حرب : عصمت ميرغني طه
6. عقيد أركان حرب : بشير مصطفى بشير
7. عقيد أركان حرب : محمد أحمد قاسم
8. عقيد أركان حرب : صلاح الدين السيد
9. مقدم: عبدالمنعم حسن علي كرار
10. مقدم : بشير عامر أبوديك
11. مقدم : محمد عبدالعزيز
12. مقدم : سيد حسن عبدالرحيم
13. مقدم: بشير الطيب محمد صالح
14. رائد طيار: أكرم الفاتح يوسف
15. رائد: بابكر عبدالرحمن نقداللّه
16. رائد : أسامة الزين عبدالله
17. رائد : الشيخ الباقر الشيخ
18. رائد : معاوية يسن علي
19. رائد : نهاد إسماعيل حميدة
20. رائد : عصام أبوالقاسم محمد الحسن
21. رائد : الفاتح أحمد الياس
22. رائد : صلاح الدين الدرديري
23. رائد : تاج الدين فتح الرحمن
24. رائد : سيد أحمد صالح النعمان
25. رائد : الفاتح خالد خليل
26. نقيب طيار : مصطفى عوض خوجلي
27. نقيب : عبدالمنعم خضر كمير
28. نقيب : مدثر محمد محجوب

أسر الشهداء، والطعن الدستوري ضد ترشيح عمر البشير لرئاسة الجمهورية 2010
كاتب هذه الكلمات، شهد عن قرب مبادرة المركز السوداني لدراسات حقوق السودان، ووقع على الطعن الدستوري ، نيابة عن المركز السوداني حينئذ، في تلك المذكرة "الطعن الدستوري في أعمال رئيس الجمهورية" الذي صاغه وقدمه نيابة عن الطاعنين " الدكتور محمود شعراني المحامي" ورئيس المركز السوداني لدراسات حقوق الإنسان المقارنة“ الذي شارك في التوقيع عليه كطاعنين، مجموعة من منظمات المجتمع المدني، وهيئات شعبية، وشخصيات وطنية، وبعض من المرشحين لإنتخابات البرلمان في العام 2010 اللافت، كان من ضمن الموقعين، أسر شهداء ضباط 28 رمضان الأبرار، الذين ما إن سمعوا بالمبادرة إلا و لبوا النداء مسرعين كخيول الريح تنادوا، وبعزيمة لا تلين وجدية صارمة، لا تعرف الوهن، كانت الخنساوات- الأستاذتان عالية حسن كرار، شقيقة، الشهيد عبدالمنعم حسن كرار، وعواطف ميرغني، شقيقة، الشهيد عصمت ميرغني طه، (حلقتا الوصل) شعلتان من الوفاء المدهش، والإلتزام والجدية، كأنهن فارستان من فرسان الأساطير الإغريقة القديمة، ساهمن بصورة بارزة في ترتيب الإتصال ببقية الأسر، للتوقيع والحشد، للتظاهرة، المصاحبة لتسليم المذكرة، أمام المحكمة الدستورية في الخرطوم، التي إتفقنا عليها كطاعنين، لفضح النظام، وتعريته وإظهار عجز محكمته الصورية، حيث تجمعت الأسر الكريمة بشكل أسطوري بطولي، كعائلة واحدة... أمهات، فُجِعن في أبنائهمن، وزوجات سُرقت منهمن الفرحة، وغيب منهن أزواجهن في ليلة العيد ، وإلي الأبد، و أبناء يُتموا بعضهم، في طور التخليق، ليصرخوا، صرخة المهد محرومون من فرحة أبائهم، ولمسة حنانهم، وإخوة، وأخوات، أماجد، وماجدات، يغطون ضوء الشمس، و يملأون الأفق ليبعثوا في الذاكرة، منظر الشهداء المتوهج وهم أحياءأ بيننا، يرفلون بثوب العزة والمجد، و بصدق، منظر يسر تقف في دقة وصفه، قدرتنا المتقاصرة علي الكتابة، وبراعة بناء الجُمل، ومهارة تركيب الأحرف، وجزالة تعبير الكلمات، لقصور فينا حتماً، رغم التحفيز المُلهِم، وإثارة المشاعر، وتحريك الضمائر، التي تحرك الجبال الصم الرواسي، فمعذرة لهذا التقاصر، و التحية لهذه الأسر عالية الكعب في الوفاء وإحترام القيم، وجميل النظام، ونبل المقام... رغم الوجود الامني المكثف والمستفز، الذي ما إن رفعت أسر الشهداء، شعارتها المعروفة، أمام المحكمة الدستورية حتي مسهم الجن وتملكهم الرعب، ومنع التصوير، وتعرضنا للمضايقات، ما أحوجنا لهكذا إصرار... و هكذا وفاء لمن هم أهل له،.... نحن جميعاً، مُدِينون لهؤلاء الأسود ا لشهداء .. لأنهم جادوا، بدمائهم، الغالية رخيصة، من أجلنا، وإرتادوا المنون.. نحن جميعاً، أهلهم وإخوتهم، وزويهم، وأن كان، قانوناً لابد لأولياء الدم، كأصحاب حق خاص، من رفع الدعوي والمطالبة بالقصاص، ولا شيْ غيره .... وللتوثيق، سارفق جزء من كشف أسماء الطاعنين، في الطعن الدستوري، المذكور والخاص بتوقيع أسر شهداء رمضان، والذي إبتدرته، العميدة/ الأستاذة نفيسة المليك، مربية الأجيال، ووالدة الشهيد، رائد طيار أكرم الفاتح يوسف، وفقاً لرغبة الأسر الكريمة، إحتراماً لدورها، كمربية أجيال وتقديراً لخبرتها الرقم، مما يعكس جمال التأدب، ونبل التربية، وعلو توقير الكبير، من كبار الشيم. وحسن التنظيم، لهذه الأسر النبيلة، الي آخر العقد الفريد النضيد، لم يتوقف الأمر علي ذلك، بل كانوا جميعاً حضور، في المؤتمر الصحفي، الذي عقده الدكتور محمود شعراني المحامي، كممثل للطاعنين ومقدمه لدى المحكمة الدستورية، بصفته كمحامي، بمبنى صحيفة (أجراس الحرية) "المغلقة بأمر السلطات"، .للإجابة على أسئلة وإستفسارات، الصحافة المحلية والأجنبية، ومحطات التلفزة المختلفة التي حضر مراسليها فعاليات المؤتمر الصحفي.. كنا نعلم مسبقاَ سلبية قرار المحكمة الدستورية المعيب ولكنا أردنا إثبات ذلك بالدليل القاطع، وللتاريخ، وللعالم، أجمع حتى يشهد، وتكذيب إدعاء المؤسسية، للنظام و مزايدته بحرمة القضاء وإستقلاليته وقد كان.
كشف بالطاعنين من أسر شهداء 28 رمضان:
45 نفيسة المليك رئيسة تجمع أسر شهداء 28 رمضان والدة الشهيد رائد طيار / أكرم الفاتح يوسف
46 ليلى يحي محمد مصطفى زوجة الشهيد عقيد أ . ح / صلاح السيد
47 فتحية كمبال الامين زوجة الشهيد مقدم / بشيرعامر أبوديك
48 آسيا سيد أحمد بلول زوجة الشهيد لواء أ . ح / محمد عثمان بلول
49 حسن مبارك حسن عبد النور ع / أسرة الشهيد فريق طيار أ . ح خالد الزين
50 عبد القادر حسين عبد القادر الكدرو إبن الشهيد لواء أ . ح / حسين عبد القادر الكدرو
51 أحمد محمد عثمان كرار إبن الشهيد عميد طيارأ . ح / محمد عثمان كرار
52 عواطف ميرغني طه شقيقة الشهيد عقيد أ . ح / عصمت ميرغني طه
53 زكية عثمان الحاج زوجة الشهيد عقيد أ . ح / بشير مصطفى بشير
54 خديجة عثمان محمد زوجة الشهيد عقيد أ . ح / محمد أحمد قاسم
55 حبيب عبد العزيز إبراهيم شقيق الشهيد مقدم / محمد عبد العزيز إبراهيم
56 محاسن مكي محمد صالح زوجة الشهيد مقدم / بشير الطيب محمد صالح
57 عاليه حسن علي كرار شقيقة الشهيد مقدم أ ح / عبد المنعم حسن علي كرار
58 إنصاف يسن علي شقيقة الشهيد رائد / معاوية يسن علي
59 إبتهاج أبوالقاسم محمد الحسن شقيقة الشهيد رائد / عصام أبوالقاسم محمد الحسن
60 حياة نقد الله زوجة الشهيد رائد / بابكر عبد الرحمن نقد الله
61 منال عوض خوجلي شقيقة الشهيد نقيب طيار / مصطفى عوض خوجلي
62 منال مدثر محجوب شقيقة الشهيد نقيب / مدثر محمد محجوب


كلمة لا بد منها:
ستظل ذكراهم الخالدة، وجسارتهم النبيلة الحافلة بالقيم والإثار، محفورة في وجدان هذا الشعب، والتي مجرد الإحتفاء التأبيني السنوي بذكراهم، يسبب الرعب للطاغية ويحيل صباحه الفالق إلي ليل داجي، فيطلق كلاب أمنه، لتنبح وتنادي بعضها وتبث الرعب، ولكن هيهات!! كانوا أبطال روايتنا شهداء 28 رمضان أقوي من كل قضاة النار، وأصلب من صخر السركاب، الذي شهد آخر فصول الرواية، وهم يظللهم الشموخ، وتموسق خطواتهم طبول العزة، ورؤوسهم عالية.. عالية.. لم تعرف الطأطأ، ولا ذل الإنكسار، تَشمخت، فوق الهامات رغم الصعاب، والمصائب والآحن والبغضاء،.. بذرتكم، التي غرستمونها تنمو، وأسركم وشعبكم، يرعاها بيقظة وإقدام ووعي في أكناف ساجدة في محراب الوفاء" إذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها"
حتى يُفتح الزهر، ويُنور النوار، ويَفوح عطر النضال، الفواح وتنصب عزة ساعتئذ سرادقها، وتجدل ضفيرتها، وتباهي بمضاربها، و تصدح زغاريد الفرحة بحريتها المضرجة بدماء الشهداء.. تعبيء الفراغ وبسرعة الضوء تنتقل، إنجيلاً يبشر بالخلاص.. معاً دعماً ومناصرة لمطالب أسر الشهداء، وهي مطالبنا جميعاً، وبحق الأرواح، التي أزهقت، وُطمرت في التراب بعد أن سلبها وسحلها الجلاد،.. صفاَ واحد، حتي ينجلي الموقف، ويقف الشعب، وأسر الشهداء علي تفاصيل الجرم، المشهود و تتم الإجابة علي هذه الأسئلة، كحق مقدس تكفله ، الفطرة السوية، والوجدان السليم، وإبسط قواعد العدالة.

· ما هي الجهة التي تولت الإتهام؟
· ما هي الجهة التي قامت بالدفاع ؟
· القوانين واللوائح المتبعة في المحكمة ؟
· وقائع المحاكمات، وحيثياتها؟
· الإجراءات التي سارت عليها المحكمة؟، وإتبعتها؟ ومن هم قضاتها؟
· كيف نُفذت الأحكام، وآليات التنفيذ؟ الكشف الطبي علي الشهداء؟ إثبات الوفاة؟
· كيفية تجهيز الجثامين،( وفقاً للشريعة الإسلامية التي يدين بها الشهداء) مراسم تجهيز الجثامين غسل الجنازة، والصلاة عليها، وطريقة الدفن؟
· أين متعلقاتهم، وأمانتهم الشخصية؟
· أين قبورهم؟.. ماهي وصاياهم..؟ رفاتهم..؟

ختاماً التحية لهم وهم يتكئون علي الثري جسدًا، وأرواحهم في جوف طير ترد أنهار الجنه وتأوي إلي قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، وعند ربهم يُرزقون؛ وفي صدر سجل تاريخ، شعبهم لخالدين، ووجبت، ثم وجبت،!! شهادة الصادقين، الذين أجعوا على، حُسنكم أخلاقا، موطؤون أكناف، تَألفون، وتُأُلفون؛ وستمطر سحب القصاص، وفي الأفق المنظور، غيم من مزن الركام، وابل فطل، سيلقي رعد الحساب، وسنهزم وجه الظُلم ونثأر.

قصائد للشهيد عثمان بلول ورفاقه شهداء 28 رمضان


 

قصائد للشهيد عثمان بلول ورفاقه شهداء 28 رمضان
 بواسطة فتحية شامي من سودانيزاونلاين
 
يا شهيد وطني المناضل
*1*
يا شهيد وطني المناضل
يا رجولة ويا جسارة
فاتو عشرين من رحيلك
وذكرة الموت والمرارة
ولسة في اعماقنا عايش
وكل يوم بتشع حرارة
وذكرتك مشتولة فينا
وما بنمل نحنا اجترارا
نار مولعة في حشانا
لاخمد لا مات اوارها
**************
جيت مراكب خير مسافري
حاشا ما ضلت مسارا
نطفتك من طينة طيبة
شاربة لللنقة والطهارة
جيت شايل احلام بلادك
وعفة الناس الفتارى
ثرت ما قصدك مناصب
لارئاسة ولا وزارة
ثرت شان ناسنا الغلابة
وليها اطلقت الشرارة
ورحت انت شهيد رسالتك
والشهادة اعظم رسالة
***************
يكفى انو بلدنا تشهد
قدت موكب انتصارا
ويكفى انو الجيش بيشهد
تستحق نوط الجدارة
بس خسارة زمنا اعور
ومت في زمن العوارة
في زمان السرقة واضحة
والرشاوي نهار جهاره
والخيانة بقت فضيلة
والفضيلة بقت دعارة
والكرم صار عملة نادرة
وطال غياب الخير توارى
واللصوص في كل شارع
وكل شئ اصبح شطارة
والكضب والغش وحاتك
اضحى من سمة الحضارة
*******************
ورخصت الانفس وبارت
مابتساوى تمن سيجارة
والملايين يا شهدينا
اصبحت في هم صغارا
في الشمس مشرورة دائما
واقفة تقلاها الحرارة
تجري دائما من صباحا
ولا مساها ورا خدارا
والغلا اصبح غول بيبلع
قولي بس كيف الدبارة
وناس بتتحكم وحاتك
فينا من خلف الستارة
بالرخيص باعتنا علنا
للعدو رهنت قرارا
**************
وناس تفتش في الرئاسة
دار تموت شان الامارة
ناس تلملم في الاراضي
وناس قصور فللا وعمارة
وناس تفكر دار تهاجر
فيزا كانت او اعارة
وناس بتنده لله سائلي
كان يعجل بي دمارا
وناس معيشتا في المعاصي
دايرة في سكرا وقمارا
وناس بتجري وراء شيوخا
ماسكي في ضنب الحمارة
وزول شبيه الديك يعوعي
كسر الجر والخمارة
************
 
وناس بويتاتنا الكبيره
دايره زول رهن الاشاره
والكبار سبب المشاكل
والمصايب من كباره
.......................
.الجماعه اتلمو بره
ولسه فى شكلا وكجاره
والخيانه على وشيها
والنفاق اصبح شعارا
وبكره ترجع للحكومه
وتانى ترجع لى شجاره
وتانى ترجع للمشاكل
وما ينوبنا سوى غبارا
وانت مت عشانا نحنا
المساكين ..المقاطيع...الحيارى
..............................
البلد كل يوم ماشى
جارى واقعى على الحداره
مين يموت زيك عشانا
شان يردلا اعتبارا
مين يضحى يجى ويقودا
ويبقى فال ليها وبشاره
وايد بتردع كل خائن
او عميل للغير سفاره
والبدور ليها البشاتن
والبفتش لى ودارا
وسيف يجز لى راس عدوها
وقاضى فى الحق لا يبارى
ويبقى من ضمن البيفلح
والبيقلع لى عداره
والبيرفع ........والبسند
والبشيد...لى عمارا
والجماهير تبقى حره
ومن سجن ينفك اسارا
..................................
البلد............. تجتاحو ثوره .
ثورة النار........والحجاره
ثورة....الماشبعو اصلا
ثورة ....الناس الفقارا
ثورة.......العدمان وعارى
من قميص..... اوكان زراره
ثورة...المظلوم ....ويدعى
دعوة الرجا .......والمراره
وكل ايد مرفوعه ضارعه
راجى يوما تاخدو تارا
ثورة اب جيبا.....مفتق
رابطو بى سعفى ودباره
ثورة الحاقبلو منجل
ثورة الشايلو فاره
ثورة ال للخير يغنى
ثورة البمدح بطاره
ثورة العمال جمبعا
ثوره بى اسم التجاره
ثورة العشوائى سكنو
ثوره من حى العماره
ثورة الجيعان ويحلم
أكله بى شيه ومراره
..................
ثورة اللوح والدوايى
ثوره ترفل فى وقاره
ثوره طاعمى ومو مسيخى
ثوره بى توما وشمارا
ثورة النومن مقطع
باتو بردانين سهارا
ثورة الكل فى وطنا
من قبايل..من مشايخ من نظارا
ثوره فيها اخوات مهيره
ثوره بى فن بى مهاره

ثوره ذى برقا بيشلع
صاقعه يطرش انفجارا
..............................
ثوره للعز فى بلادى
لابسه اكليل افتخارا
ثوره فيها فيها الله اكبر
ثوره والاسلام ازارا
ثوره فوق كل حربه مصحف
ثوره بى معنى العباره
ثورة الدين والشريعه
ومطلب الامه وخيارا
ثوره للخير والتكافل
يبقى عنوانه واطارا
ثورة المظلوم شهيدنا
تهزم الزل والحقاره
ما البيزرع طلم لازم
بكره من يجنى الخساره
......................................
الشاعر احمد سيداحمد بلول
ابن عم الشهيد عثمان بلول

اعدام جرجس بطرس مساعد طيار بالخطوط الجوية السودانية

 
 
 
 
بعد اعدام مجدى محجوب جرى اعدام جرجس بطرس مساعد طيار بالخطوط الجوية السودانية فى 5 فبراير ، واركانجلو الذى نفذ فيه الحكم بالشنق فى 14 ابريل 1990 بتهمة التعامل بالنقد الاجنبى .
وتاتى المفارقة الماساوية ...
بعد ثلاثين شهرا من اعدام مجدى وجرجس واركانقو اصدر وزير المالية السودانى عبدالرحيم حمدى في تلك الفترة قرارا يقضى بالسماح بحيازة النقد الاجنبى !!
 
 
 

تفاصيل اعدام الشهيد مجدى محجوب محمد احمد اول ضحايا عهد الإنقاذ

 
 

 
 
الـمـصـدر: منتـديات " الراكوبة ":

أحمد مكي.

28-12-05,

كان هناك مبلغاً من المال لم يتقاسمه ( الورثة ) من أبناء وبنات الرجل العاصمي، الميكنــيــكي ورجل الأعمال ( محجوب محمد أحمد ) ، لأنهم ليسوا في حاجة إليه الآن على أقل تقدير، ولا أحد يعرف مكان المفتاح الخاص بخزانة والدهم، إلى ما قبل اسبوع من الفاجعة التي ألمت بالأسرة، وقد كان معظم الذين شاركوا أيام العزاء عام 1987 م، من الأخوان والأخوات خارج البلاد، في مهاجرهم واماكن عملهم .. والحياة تسير سيرها الطبيعي .. والطبيعي جداً، لأنها لن تقف لموت أحد أو لحياته .. الشيء الوحيد الذي تغير وأثّر على البلاد برمتها، هو ان هناك حكماً ونظاماً جديدين وصلا إلى السلطة وحكم البلاد .. وانهم سمّوا أنفسهم ( ثورة الإنقاذ الوطني ) ، وأن هناك حظر للتجوال في تلك الأيام.وطالت قائمة الممنوعات بالنسبة للمواطنين، وكثرت الإعتقالات السياسية والكيدية للمعارضين،وظهرت على شاشات التليفزيون الحكومي أشكال وأسماء من البشر لم يرها أو يسمع بها أحد من قبل، لدرجة انها لفتت انظار الكثيرين ومنهم كاتبنا العالمي ( الطيب صالح )ودعته لقولته الشهيرة ( من أين أتى هؤلاء الناس؟ ) ، كانوا يرتدون زي القوات المسلحة، ويتحدثون بلسانها، حتى كشفت الأيام، وعاديات الليالي، أنهم رجال ( حزب الجبهة الإسلامية القومية )!.. بزعامة الشيخ الدكتور حسن عبدالله الترابي .عسكريون من اتباعه، ومدنيون من اتباعه ايضاً، والكل يحمل السلاح، انطلقوا بعد 30 يونيو 1989 م في شوارع الخرطوم، وبين جسورها الثلاث، على النيل، والنيل الأزرق، والنيل الأبيض،يحكمون قبضتهم على المدينة الوادعة، وأهلها الطيبين، ومرافقها الإستراتيجية . وتمت السيطرة على قيادة الجيش، والإذاعة العامة والتليفزيون الحكومي، ً وشيئا ً فشيئا انتشرت كوادرهم كالسرطان على كل مدن السودان، بحيلة بسيطة صدقها الناس، وبكل أسف صدقها الجيش السوداني، وهي انهم فعلوا ذلك باسم ( قيادة القوات المسلحة ). لم يجدوا أي مقاومة ولذلك احكموا قبضتهم حتى على رقاب الناس، وتمت أكبر عملية طرد لمعظم موظفي الخدمة المدنية، والقوات النظامية، والمؤسسات العامة، وإحلال الكوادر الموالية لهم .. مكانهم .. كانت أكبر عملية طرد يشهدها الوطن بكل الذل والمهانة، والتجويع ..لذلك صار حتى الهواء ثقيلاً وصار من الصعب التنفس .تم ذلك في الأسابيع الأولى لإنقلاب 30 يونيو 1989 م، ووضحت الرؤيا تماماً، إنهم رجال ( الجبهة القومية الإسلامية ).. رجال الشيخ ( حسن الترابي ) ، هذه الشخصية المثيرة للجدل داخلياً، وخارجياً .. إنطلقوا كالوحوش التي فلتت من محابسها، بكل حرمان السنين، وهم يخططون للإستيلاء على السلطة، وها هي الآن بين ايديهم .. ترى ماذا هم فاعلون بها؟ سوى تصفية الحسابات، .. فعلاً ( من أين أتى هؤلاء القوم؟ !). ( أدوات ) من أحياء فقيرة، وأسماء مغمورة، جمعها هذا الداهية السياسي، أدوات وقطع شطرنج، لتنفيذ مخطط حزبه، بعد كفره بالديمقراطية، وذهب هو مع المعتقلين السياسيين إلى سجن كوبر الشهير، في عملية تمويه، حتى إذا فشلت حركتهم يكون ( هو ) منها براء، حتى أن زعيم الحزب الشيوعي السوداني الأستاذ ( محمد إبراهيم نقد ) قال له بعد عدة أيام من قيام الحركة وهم بالمعتقل : ( كفاية يا شيخ حسن .. لقد جاملتنا بما فيه الكفاية، شكر الله سعيك . اذهب وأخرج إلى ( اصحابك .. لأنهم في إنتظارك .!!). لو تتبعنا ما حدثً لاحقاً .. ما أكفانا هذا الكتاب .. وحتى لا ننصرف عن هدفنا في موضوع قضية مجدي محجوب محمد أحمد،وغيره من بعض المظاليم . وكل الحقائق ً تقريبا معروفة ، حتى خلافاتهم حول السلطة، وإنشقاقهم الشهير رغم محاولات تجميل الوجه القبيح. قالوا انهم اتوا من أجل إقامة الدين، والعدل، وبدأوا في إصدار قوانين لا تعرف ديناً ولا عدلاً، حيث صرح العميد حقوقي ( أحمد محمود حسن ) ، المستشار القانوني ??لس قيادة الإنقلاب : " ان القوانين الخاصة بمحاكم أمن الثورة هدفها تأمين الثورة من النواحي الإقتصادية (!) والنفسية والإجتماعية (!) ، لتحقيق الأرضية الصاحة للتنمية والإستقرار، والإستثمار والأمن الغذائي . وأن قضايا الأمن والإستقرار لا تتم إلاّ في ظل تشريعات حاسمة تنفذ وتطبق عبر محاكم عادلة وسريعة الإنجاز ..!! ؟ ". وتصريح طريف جد تناقله الناس عن العقيد بحري ( وقتها ) صلاح الدين محمد أحمد كرار، عضو مجلس الثورة، ورئيس اللجنة الإقتصادية : " لو لم نأت سريعاً، لوصل سعر الدولار إلى عشرين جنيها ". كان سعر الصرف وقتها حوالى إثنا عشر جنيها . في اكتوبر 1989 م، صرح السيد ( جلال علي لطفي ) رئيس القضاء ( رئيس المحكمة الدستورية الآن )!: " المطلوب من محاكم أمن الثورة، هو إجتثاث الفساد الذي استشرى في البلاد، ومعاقبة المجرمين والفاسدين، وكل من يهدد أمن البلاد، وإقتصادها ". وأشار إلى انه بحث مع القضاة بعض جوانب القانون فيما يختص بأحكام الإعدام، وعرضها على رئيس المحكمة العليا وفق قانون الإجراءات، وأن يطبق قانون
الإجراءات الجنائية في وجود المتهم بالسجن، إلى أن يؤيد الحكم أو يُعدّل ..!
إنطلقت الكوادر المسعورة من عقالها، خاصة العقائديين منهم، الذين سيطروا على أجهزة
الأمن، والاستخبارات العسكرية، والشرطة، يبحثون عن الضحايا، ولا بأس عن الغنائم من أموال الناس، وممتلكاتهم . وبدأت المأساة الدامية . وكانت بيوت الأشباح جاهزة لاستقبال الضحايا . وُأعدّت مراكز الإعتقال في مباني جهاز الأمن ( للترحيب ) بالقادمين، وحتى بعض أقسام الشرطة كان لها دورها في ذلك . وغطى نشاط محاكم أمن الثورة العاصمة المثلثة ، وكان يمثل الإتهام الكوادر النشطة في هذا الجرم العقائدي، بإيحاء ودعم من السلطة القابضة على زمام الأمور في البلد . وأجتهدوا في الوصول إلى أماكن المال . وكأن الإقتصاد بالنسبة للدولة هو تفتيش جيوب المواطنين .
................................................................

*****
طالعتنا جريدة ( السودان الحديث ) ، في العدد 36 بتاريخ 1989/ 10 / 11 م، وفي صدر صفحاتها الأولى، بمانشتات حمراء على النحو التالي :-
• القبض على أخطر تاجر للعملة ، بالعاصمة القومية .
• ضبط مبالغ كبيرة من مختلف العملات بحوزة المتهم .
• المتهم يدير شبكة للإتجار في العملة، د اخلياً وخارجياً .
وفحوى الخبر : ألقت الجهات المعنية القبض على أكبر تجار العملة بالعاصمة القومية، ويدعى محمد حسن علي ، الشهير بالريس ، بالقرب من مكاتب جريدة السياسة، بشارع البلدية . وقال العقيد سيف الدين ميرغني ( رئيس لجنة متابعة قرارات اللجنة الإقتصادية )!!! أنه قد وجد بحوزة المتهم 511 ريال سعودي، 140.200 الف جنيه مصري، ألف ليره لبنانية، مائة درهم أماراتي، 230 ريال قطري، 282 دولار أمريكي، خمسمائة دولار بشيك سياحي، والمتهم يعتبر من أخطر تجار العملة، ويدير أكبر شبكة للإتجار بالعملة د اخل ياً وخارجياً، وله عملاء بالداخل والخارج، وتم فتح عدة بلاغات ضده – انتهى الخبر؟ !. المتهم ( معوّق ) ويتنقل بعربة خاصة بالمعاقين ... وبدأ المسلسل الدامي، وكرّت مسبحة الخوف والإرهاب، الذي جعل الجيوب ترتجف قبل القلوب أحياناً، خوفاً على ما تملك، والمبالغ هذه لا تسوى ً شيئا مما نهب في تلك الأيام المظلمة، وعلى مدى سنوات طويلة .. طويلة جد اً.. أزكمت رائحتها مساحة المليون ميل مربع .
*****
العيون تتلصص، والآذان تُرهف السمع، والتقارير تدبج وبسوء نية ضد الخصوم . والأيام تدور دورتها ببطء .. والهواء ثقيل على التنفس .. وهناك في حي الخرطوم (2) الراقي، والشهير بمنازلة الفخمة والأنيقة .. في أحد تلك المنازل كان ( مجدي ) وسط أسرته، يعمل معهم للمحافظة على ثروة أبيه، وإدارة املاكهم الواسعة، لا يهتم بما يدور حوله من أحداث، إلاّ ما يشغل بال وهم المواطن العادي من أخبار الحكام الجدد، وحكاياتهم وأصلهم وأصولهم، ومن انهم أتباع ( الجبهة الإسلامية القومية ). كل الخرطوم تتحدث، والسودان كله وكل دول الجوار، ومن أن ( المعارضة ) !! التي تسللت إلى الخارج نشرت أخبارهم على مستوى العالم .( مجدي ) ، هاد ئاً كعادته، و اثقاً من مستقبل أسرته، باراً بأهله، جاداً في عمله .. وفي حياته الشخصية .وبدأت التعمية ، والتمويه مرة أخرى .. بدأت محكمة خاصة في محاكمة أحد كوادرهم النشطة حتى ( الآن ).. الدكتور مجذوب الخليفة أحمد )حاكم الأقليم الشمالي سابقاً، إبان حكومة الصادق المهدي، وحاكم الخرطوم في عهد الإنقاذ الوطني، ووزير الزراعة حالياً، ورئيس وفد المفاوضات في ابوجا بنيجيريا مع متمردي حركة دارفور )!. حوكم معه ثلاثة متهمين آخرين هم : عبدالقيوم إبراهيم – مدير مكتب المتابعة للإقليم الشمالي بالخرطوم، وشريف سعيد صالح - مدير شركة الشمال، والدكتور حاج الطيب الطاهر - مفوض عام الإغاثة، بتهمة بيع لبن إغاثة في أكياس خُصص إبان كوارث السيول والفيضانات عام 1988 م لصالح الإقليم الشمالي بيّن المتحري في القضية ضلوع المتهمين الأربعة في عمليات البيع، كما قدّم المستندات اللازمة، وبيّن أن لجنة التحقيق استمعت إلى (17) شاهد قبل أن تقوم بفتح البلاغ . تم الإفراج عن المتهمين الأول والثاني بضمانة مالية . وفي جلسة المحكمة بتاريخ 1989 / 10 / 12 م، والتي كان يرأسها العقيد أ . ح . ( محمد بشير سليمان ) ترقى بعد ذلك وأصبح قائداً للكلية الحربية، مديراً للتوجيه المعنوي للقوات المسلحة، نائب رئيس أركان القوات المسلحة، الناطق الرسمي بإسمها ) ( ورد اسمه في محاولات المؤتمر الشعبي ضد النظام .. تم إعفاؤه )... تمت أيامها تبرئة المتهمين الأربعة في قضية بيع لبن الإغاثة، وقالت المحكمة أن الأتهام فشل في إثبات التهم الموجهه للمتهمين – رئيس لجنة التحقيق والإتهام ، كان المقدم شرطة ( النور كومي ) شغل بعدها منصب المحافظ بإحدى محافظات غرب السودان العديدة . كانت مسرحية سيئة الإخراج بدرجة تحت الصفر لإخفاء الهوية، والقول أنهم طلاب عدل .. في تلك الأيام .. التي مازالت .. ؟ !! المضحك حتى البكاء .. والألم أنه في تلك الأيام ( مقارنة بما يحدث ونشاهد اليوم ) أنه تم إعفاء اللواء ( بكري المك موسى ) ، حاكم الإقليم الشرقي في منتصف أكتوبر 1989 م، لسوء التصرفات المالية، لأنه قام بعملية صيانة لمنزله ومكتبه ! وتم تعيين اللواء ( يوسف بشير سراج ) بعد إعادته للخدمة بدلاً منه، .. بدأت المحاكم الخاصة في عمليات السلب والنهب المقنن لأموال الناس، وتجارتهم وكان محور نشاطها في العاصمة لثقلها المالي والتجاري،
وحتى الذين حاولوا نقل تجارتهم خارج البلاد، ووصلوا بجزء من أموالهم إلى مطار الخرطوم، رصدتهم الأعين والتقارير وتم القبض عليهم ومصادرة أموالهم، وكانت القناعات تقول أن هذه الأموال لن تجد طريقها إلى بنك السودان ( البنك المركزي ) ، بل ستجد طريقها لسد رمق حرمان السنين، ولا خوف من الشعب طالما أن القبضة قوية .. ومحكمة .. ولا ضير من بعض المسرحيات اللاهية والعبثية ..!!
*****
قبل أن نأتي على ذكر تلك الليلة، والخرطوم تتنسمها بدايات الشتاء برياح خفيفة باردة نوعاً ما في نوفمبر 1989 م بعد أشهر قليلة من بدايات ( الإنقلاب ) ، والشوارع خفيفة الحركة مساءاً من الناس، والسيارات تتسابق خوفاً من أن يدركها وقت حظر التجوال . نقفز قليلاً على أحداث ذلك اليوم والذي شهد مذبح وبداية إنهيار الأخلاق والقيم العدلية في هذا الوطن.. مواطنان سودانيان ساقهما حظهما العاثر إلى العودة للبلاد بعد طول إغتراب لأكثر من خمسة عشر ً عاما في المملكة العربية السعودية، جمعا حصاد السنين الذي دفعا ثمنه من الصحة وتقدم العمر الذي جاوز الخمسين عاماً لكل منهما، .. الأول لديه ثمانون ألف ريال سعودي، ولدى الثاني سبعون ألفا من نفس الريالات، ولكل منهما سيارة نصف نقل، عليها الأمتعة والهدايا للأهل والأصدقاء . اكملا إجراءات التخليص الجمركي بميناء بورتسودان، وواصلا الرحلة إلى الخرطوم، ثم أم درمان، ثم إلى منزليهما المتجاورين في ضاحية ( امبدة ) غرب أم درمان، وعند إحدى نقاط التفتيش الكثيرة في تلك الأيام، تم إنزال الأمتعة، وتم العثور على مبلغ مائة وخمسون ألفاً من الريالات السعودية، ( لايهم ماذا بعد؟ ).. سال اللعاب، وجحظت الأعين الأمنية، وتدلّهت الشفاه الشرهه، تتلمظ قبل الإلتهام .. سرعان ما بدأت الإجراءات ضدهما في المحكمة الخاصة بأم درمان ( دار حزب الأمة ).. تم الحكم على الأول بالسجن عشر سنوات، والثاني أيضاً . توفي الأول داخل سجن كوبر بعد أن داهمته نوبة مرض السكري، وتم إطلاق سراح الثاني نسبة لكبر سنه، بعد زيارة العقيد الليبي ( معمر القذافي ) الشهيرة للسجن، ومسرحية تهديم حائط السجن الشمالي . بعد مرور اربعة سنوات خرج الثاني خاوي الوفاض من متاع الدنيا، بعد سنين غربته بالسعودية، وهي سنوات طويلة، وبعد سجنه سنوات عدتها الأطول رغم قصرها داخل سجون وطنه . ظل يبحث حتى الآن عن حصاد سنينه .. بالإطلاع على اوراق قضيته وجدنا حكماً بالسجن فقط؟ ! ولم نجد حكماً بمصادرة المبلغ .. والذي لا يعرف مكانه إلا الله .. والقاضي بتلك المحكمة ورجال الأمن، ممثلو الإتهام في تلك القضية ... يعمل الرجل الثاني الآن في إصلاح الساعات في أحد اسواق ضواحي مدينة أم درمان، بعد أن كان ملء السمع والبصر في غربته بقصر أحد الأمراء السعوديين ومثالاً للأمانة والثقة لديهم .. ولكنهم حكام السودان الجدد الذين أتوا كما قالوا لتطبيق شرع الله على عباده .. ولكن بطريقتهم .. أما قاضي المحكمة تلك فهو الآن يحتل منصباً مرموقا في أكبر مؤسسات النظام .. العدلية .

نعود إلى تلك الليلة، من نوفمبر 1989 م .. وبدايتها عصر في منزل المرحوم ( مجدي محجوب محمد أحمد ). في حوالي الساعة الرابعة والنصف عصراً، وبعد تناوله طعام الغداء مع اسرته، نال قسطاً قليلاً من الراحة، ارتدى ملابس الرياضة، وحمل مضرب الأسكواش، ونزل من غرفته متجهاً إلى حديقة المنزل حيث سيارته .. استعداداً للذهاب إلى النادي العربي الذي يقع على مبعدة من منزلهم بعدة شوارع تجاه طريق المطار .. لحقت به والدته وشقيقته وإحدى القريبات من نساء الأسرة، طالبات منه أن يوصلهن إلى ( عزاء ) ، بمنزل إحدى القريبات بإمتداد العمارات، شارع(21) ، على أن يعود لإرجاعهن عند مغيب الشمس .. امتثل كعادته للأمر من والدته، وقام بإجراء الواجب نحوهن، وسار لمقر النادي لممارسة هوايته المحببه في هذه اللعبة مع بعض الأصدقاء، وهو لا يدري أن شارع منزلهم، ومنزلهم يضاً وحتى خروجه، كان خاضعا لمراقبة مشدده من أجهزة الأمن منذ الصباح الباكر، وأن لعبة ( الروليت ) القاتله التي يديرها النظام وأوكل امرها للعقيد ( صلاح الدين محمد أحمد كرار ) ، عضو مجلس الثورة و بعضاً من مساعديه قد وقع اختيارها عليه .. قضى مجدي فترة العصر لعباً وركضاً في الملعب مع شلة من الأصدقاء، وكان مرحاً كعادته ونشطاً . عند المغيب وقبله بقليل ودمعه اصدقائه بنفس الروح واتجه إلى سيارته ومن ثم إلى منزله ليغتسل من آثار اللعب ويؤدي فريضة المغرب، ويسارع بعدها إلى والدته وقريباته بشارع (21) العمارات لإرجاعهن إلى المنزل كما وعد .سمع، وهو يستعد للخروج من باب المنزل الداخلي إلى الباب الرئيسي - طرقاً ً عنيفا على الباب الداخلي، وصوت أقدام تركض في ممر الحديقة الأمامية، وفجأة فُتح الباب بعنف، وأقتحم المنزل عدد من الشبان يرتدون ملابس إعتيادية، ولكنهم يحملون اسلحة خفيفة في ايديهم !!. صاح أحدهم : "أنت مجدي محجوب؟ .." فأجابه بهدوء رغم وقع المفاجأة والدهشة : " نعم ".. فرد نفس الشخص الذي خاطبه أولاً : " نريد أن نفتش المنزل "!. وقبل أن يفتشوا كان لابد أن يظهروا أمر بالتفتيش من أي سلطة!؟ ولكنهم لم يفعلوا، وبدأوا في التفتيش بطريقتهم المعهودة، بينما أحاط بكتفيه إثنان منهم .
التفت إلى أقربهم طالباً منه تفسير لما يحدث، فرد عليه قا ئلاً :إن معلوماته تقول أنه تاجر عملة . إبتسم رغم سخافة الموقف . خرج أحدهم من غرفته وهو يحمل مبلغاً من المال ولكنه بالعملة المحلية السودانية واتجه نحوه فارد يده بحزمة المال وقال بغضب - يجيدونه في مثل هذه المواقف " ده شنو ده ؟ " و أيضاً رغم سخافة السؤال وسائله .. أجاب بهدوء .. بأنها فلوس، وانها مصاريف المنزل ( كانت حوالى ثمانين ألفاً من الجنيهات السودانية .. وهو مبلغ محترم جد اًفي تلك الأيام ). تطاير الشرر من الأعين، والغيظ المكتوم، وواصلت المجموعة تفتيشها للمنزل بطرقهم المعهودة، التي تجعل الأشياء عاليها سافلها .. بعد فترة ندت صيحة إنتصار من فم أحدهم، وهو ينظر في جدار الصالة الداخلي وكان مصنوعاً من الخشب الجيد مما ينم عن ذوق وثراء أصحاب المنزل. صاح رجل الأمن بعد أن بدت فتحه صغيره، ظنها للوهلة الأولى انها لباب خاص، وبالتدقيق النظري عرف انها فتحه لمساحة صغيرة في أسفل جدار الصالة . عاد مسرعاً لقائد القوة المكلفة بالتفتيش وهمس في أذنه وذهب معه ليريه مكان الفتحة . تبادلا نظرات تنبئ عن قرب إنتصارهم على فريستهم .. تقدم نحو ( مجدي ) وحتى قبل أن يسألوه ( قال ): أن وراء جدار الصالة الخشبي، ولصق الجدار مباشرة توجد الخزانة الخاصة بأوراق وأموال المرحوم والده، وهي لم تفتح منذ وفاة والده قبل ثلاث سنوات، لأن الأموال التي بداخلها هي أموال ورثة، وحتى يعود بقية إخوته من خارج البلاد، ولم يتم حصرها حتى الآن .. فغر قائد القوة المكلفة فمه بعناء وغباء، رغم إقتناعه بحسن المنطق، ولكن تلك النظرات المتبادلة بين أفراده أعادته مرة أخرى إلى منطقه الحقيقي فصاح : " أين المفتاح؟ ".. رد ( مجدي ):" المفتاح كان مفقودا " وانا وجدته قبل أسبوع واحد ً تقريبا " ، وأتجه نحو طاولة في وسط الصالة ليخرجه من أحد الأدراج .. وفجأة كعادة التيار الكهربائي وتذبذبه في تلك الأيام السوداء، إنقطع التيار عن المنزل والمنطقة وإزدادت الحياة لحظتهاً ظلاماً على ( ظلام الظلم ).. وأخذت القوة المكلفة تتصايح طالبة فتح الأبوب والنوافذ، وإحضار شمعة، وإحضار مفتاح الخزانة .. و ( مجدي ) وسطهم بهدوئه المعهود ولانه صاحب المنزل ويعرف أماكن الأشياء بداره، حتى في أحلك ساعات الظلام .
أحضر مفتاح الخزانة من مكانه، وعدد من الشموع، وعلبة ثقاب صغيرة . أشعل الشموع
وثبتها على أطراف الصالة، وسرعان ما أضاءت المكان نوعاً ما .. أدخل المفتاح في خزانة والده وبعد عدة محاولات لم تفتح، إذ أن المفتاح علاه الصدأ كل هذه الثلاث سنوات لعدم الإستعمال وكانوا هم شهودًا على ذلك، وطلب من أحدهم أن يحضر ً زيتا من عربته التي بالخارج، وسارع هذا ( الأحدهم ). وأحضر علبة الزيت وصبّ ( مجدي ) قليلاً من الزيت على المفتاح .. وبعد عدة محاولات قليلة فتحت الخزنة، وتطلعوا ينظرون إليها بنهم، وشغف إنتصار، ولحظتها حتى ( مجدي ) لم يكن يعرف ما بداخلها، ولا أخوته ولا حتى والدته لأن الجميع متفقون على عدم فتحها لحين عودة بقية ألأشقاء من الخارج ..
لكنها فتحت في تلك الليلة الباردة .. والحالكة السواد .
*****
مدّّّّ قائد القوة يده داخل الخزانة، بعد أن شددت الرقابة اللصيقة على ( مجدي ) ، أخرج
أور اقاً بها معاملات تجارية، نظر فيها قليلاً وألقاها بالداخل مسرعاً، وبدأ في إخراج الأموال التي بداخل الخزانة وتكويمها على الأرض . وعلى ضوء الشموع الذي يتراقص ويلقي بظلال كئيبة
الغنائم :-
19
على المكان . بدأ أحد أفراد القوة في حصر
(115) ألف دولار أمريكي .
(4) ألف ريال سعودي .
(2) ألف جنيه مصري .
(11) ألف بـُر أثيوبي .
(750)ألف جنيه سوداني .
أمر قائد القوة بإحضار (جوال ) ، وتم (حشر ) الأموال بداخله .. حمله أحدهم على ظهره، بينما قاد اثنان منهم ( مجدي ) كل من يد . كان القائد في الأمام، وإثنان آخران يسيران في الخلف .. القوة تحمل المال والسلاح، وأما مجدي لا يحمل إلا إيمانه بربه وإستسلامه لقدره ومصيره .. إنطلقت السيارات إلى شارع (1) بحي العمارات . توقف الموكب ( الظافر ) أمام مركز الشرطة بذلك الشارع .
*****
الساعة تقترب من التاسعة مساء و ( مجدي ) لم يحضر !؟ ليست هذه من عاداته ! ، وقلب الأم دليلها .. لابد أن هناك ً شيئاً!! ). همست الأم وأضطرب قلبها، وطلبت من الإبنة وإحدى القريبات ضرورة الرجوع إلى المنزل . ركبن عربة تاكسي من شارع (21)بحي العمارات مكان العزاء إلى منزلهم في ذلك الحي الهادئ شرق منطقة الخرطوم (.2)
( كان ) زوج إحدى بناتها وجارهم وصديقهم السيد عبدالغني غندور يقفان أمام باب المنزل الخارجي، يتهامسان . نزلت الأم مسرعة تجاههما .. ماذا هناك !؟ أين مجدي .. ؟ أخبرها أحدهما بألم أن رجال الأمن حضروا وأخذوه معهم، بعد أن فتشوا المنزل ووجدوا عنده دولارات !!. وكانت ليلة لم يطرف فيها جفن ولم تغمض فيها عين، خاصة بعد أن أذاع التليفزيون خبر القبض على ( مجدي ) في نفس الليلة .. حاول البعض تهدئة والدته بأن القضية تتولاها الشرطة في مركزها بشارع (1) ، وإنها إجراءات بسيطة وستظهر براءته(لم يكن الكثيرين يعرفون بعد أن الشرطة أصبحت جزءاً من لعبة الروليت القاتلة ).. ولكن والدته والكثير من المعارف كانوا في منتهى القلق . مّّّّر عليه نهار الجمعة التالي لليلة القبض مباشرة، مرّّّّ عليه بطيئاً، بعد أن أحضر له زوج شقيقته بعض الملابس، ليغير ملابسه . وفي صباح السبت، وحوالي الساعة العاشرة صباحاً، سمحوا له بزيارة منزله تحت حراسة مشددة، ليغسل جسده المنهك ويتناول بعض الطعام ويطمئن والدته وإخوته . وتم إرجاعه بعد ذلك مباشرة وأودع بحراسة مركز الشرطة مره أخرى .
سريعاً جد .. وبعد إجراءات التحري تم تحويله إلى سجن كوبر الشهير . والأم وقلبها، وكأي أم منذ أن خلق الله الرحمة، صارت تتحرك في جميع الإتجاهات، وتطرق جميع الأبواب، حتى المستحيل منها من أجل إنقاذ إبنها ( مجدي ). لذلك تحرك الأخوة والأخوات، والأصدقاء والمعارف . وفي نهاية نفس الأسبوع ..الخميس - الإسبوع الثاني من نوفمبر 1989 م حضرت إلى منزل الأسرة بالخرطوم (2) سيارة بوكس من نوع تويوتا بها بعض رجال الأمن . نزل منها شخص يبدو انه مسئول يتبعه فرد آخر مسلّح وضغط على جرس الباب الداخلي . تجمع أفراد الأسرة حوله بسرعة البرق، لتوتر أعصابهم . وبعد تحية مقتضبة أخبرهم : بأن غد الجمعة، الساعة الثانية عشر ستتم محاكمة (مجدي ) بحديقة السيد علي الميرغني( وهي كائنة بشارع النيل، كانت قد تمت مصادرتها أيام الإنقلاب وهي تخص طائفة الختمية وزعيمها محمد عثمان الميرغني، وكان قد تم تحويل مبانيها إلى قاعات لمحاكم ما يسمى بأمن الثورة . أرجعت حا لياً بعد مصالحة هامشية، ). أخبره أحد افراد الأسرة، وهو يبدي الدهشة، بأن هذا الوقت هو وقت أداء صلاة الجمعة،وكيف سيتم الإتصال بمحامي للدفاع عن ( مجدي ).. وكعادتهم ابتسم هذا الشخص ونظر إليهم هازئاً، وهي نظرات يجيدها هؤلاء القوم وبإبتسامات كأنهم يولدون بها .. الغريب انها واضحة على السحنة وفيها أبلغ الكلام وتغني عن الشرح، وتتلقفها القلوب الواعية سر يعاً وتتفهمها جيداً.
وبدأت تحركات الأسرة للإتصال بالمحامي الذي سيدافع عنه، شكلاً، إذ أنه في مثل هذا النوع من المحاكم العسكرية ( محاكم أمن الثورة ) ، لا يحق لمحامي مخاطبة المحكمة مباشرة، بل عليه أن يتشاور مع المتهم ويلقنه الإجابات أو الأسئلة .. والمتهم هو الذي يخاطب المحكمة ! ؟ الكل في ذلك المنزل الكائن في الخرطوم (2) صار يركض ويلهث، علهم يجدون مخرجاً .. وينقذون ( مجدي ).
*****
يوم المحاكمة يقترب، والأنفاس لاهثة .. وقبلها بعدة أيام، وعند إنتشار خبر القبض على (مجدي) ،وصلت الأخبار إلى معظم ديار الهجرة والإغتراب، خاصة السودانيين منهم والذين كانوا حريصين على تتبع أخبار ( الحكم )! الجديد في بلادهم وسياسته، رغم أن رائحة إتجاههم السياسي بدأت في الإنتشار، ووصلت إليهم .. وسكنت حتى أعصابهم .. في مدينة ( القاهرة ) ، العاصمة المصرية، كان يعيش ممدوح ،أحد أشقاء ( مجدي ) ، بعد أن نقل بعض اعماله التجارية إليها عقب وفاة والدهم .. وكان يسكن معه في شقته صديقه المقرّّّّب، وصديق الأسرة (عادل ) مقدم أ . ح . بالقوات المسلحة السودانية، تمت إحالته للصالح العام بعد الإنقلاب بعدة أيام، مع الكثيرين غيرة من رفقاء السلاح، لأنه ليس منهم، ولجسارته الشديدة، وشجاعته التي اشتهر بها وسط أبناء دفعته، وتشهد أدغال الجنوب، وصراع الحرب الأهلية بثباته عند أحلك الظروف .. تمت الإحالة، وهي تعبير مخفف للفصل من الخدمة ( بدون إبداء الأسباب ) ، طال هذا الأسلوب الكثيرين في مختلف الدوائر الحكومية، والقوات النظامية، لكي تحل كوادر النظام الجديد مكان هؤلاء، وهي للحقيقة .. أعداد مهولة . إنتهز ( عادل ) الفرصة، وسافر للقاهرة بعد إحالته للصالح العام، للإستجمام والراحة قل يلاً والتفكير بمستقبله الجديد والتفاكر مع صديقه ( ممدوح ).. وفي ليلة القبض على ( مجدي ) ، والذي أذاع خبره التليفزيون الحكومي، أتى إلى الشقة بعض السودانيين الذين سمعوا الأخبار .. في نفس الليلة . تلقاها ( ممدوح ) بصمت وذهول .. سمعها منهم ( عادل ) بألم وامتعاض وسارع إلى التليفون وأتصل بالأسرة في الخرطوم (2) ليطمئن .. ؟ . على الجانب الآخر من الخط كانت ( مديحة ) إحدى الشقيقات ترد عليه، وفي محاولة منها لطمئنتهما اخبرنهما بأنه مريض بعض الشيئ .. ولكن القلق صار ينهش في العقول . تم الإتفاق سر يعاً بضرورة رجوع ( عادل ) فور للخرطوم بصحبة الأخ الآخر ( مندور ) الذي كان يسكن في أحدى ضواحي القاهرة بعد إخباره بما جرى، على أن يبقى ( ممدوح ) بالقاهرة، لأنه كان رجل ( سوق وإقتصاد ).. قوي، ويخشى عليه من لعبة ( روليت ) اللجنة الإقتصادية، والتي يديرها رئيس لجنتها التابعة لمجلس الثورة الجديد ( العقيد أ . ح .) صلاح الدين كرارومساعدوه، وعلى رأسهم رئيس لجنة متابعة قرارات اللجنة الإقتصادية !؟ ( العقيد أ . ح .) سيف الدين ميرغني .
*****
في سباق مع الزمن، فجر السبت كانا وبملابس السفر في نقطة شرطة شارع (1) ، بإمتداد
العمارات، وذلك بعد هبوط الطائرة القادمة من القاهرة بمطار الخرطوم فجراً . أحترم بعض رجال الشرطة رتبة ومكانة (عادل) العسكرية، بعد أن أبرز لهم بطاقة ضابط قوات مسلحة ( بالمعاش ) ، وأخرجوا لهما ( مجدي ) من زنزانته . قابل صديقه، وأخيه ( مندور ) رابط الجأش كعادته، وبالإستفسار علما منه فحوى القصة بكاملها، وأن إجراءات التحري تقول بأنه متهم بالإتجار بالعملة !.
طلب ( عادل ) من المتحري أن يسمح لهما بأخذه قليلاً إلى منزله ليطمئن والدته وإخوته وبقية أهله . سُمح لهما بذلك برفقة بعض الحراسة المشددة . أثناء الزيارة للمنزل نزل قليل من الهدوء على أفراد الأسرة جميعاً .. خاصة والدته، ولكن يبدو أنه كان الهدوء الذي يسبق العاصفة، .. كما يقولون . بعد عدة أيام، وإجراءات الشرطة تطمئنهم، أن (مجدي) ليس هناك ما يؤخذ عليه، خاصة وأن المبالغ المذكورة وجدت داخل منزله، وفي خزانة المرحوم والده، وهي من ضمن ميراث العائلة .. تم القبض ايضاً، وبمسرحية نقلها التليفزيون الحكومي على الهواء مباشرة وفي مطار الخرطوم الدولي، على ( مساعد طيار ) بالخطوط الجوية السودانية هو (جرجس القس بسطس )بينما كان يحمل في حقيبته السفرية، وفي إحدى رحلات هذه الخطوط المتجهة إلى القاهرة، مبالغ مالية تفاصيلها :
(222.175)ألف ريال سعودي
(94.925)ألف دولار أمريكي
(800)شيك سياحي
(3.400)ألف جنيه مصري .
حضر فوراً لمطار الخرطوم الدولي ( العقيد أ . ح .) صلاح الدين كرار، ومساعدوه باللجنة الإقتصادية، التابعة لمجلس الثورة، وظهر على شاشات التليفزيون، يرغي ويزبد ويتوعد، حتى قبل التفكير في أي محاكمة، أو يصرح ولو ً تليفزيونيا بذلك .. بل أن بعض شهود عيان قالوا أنه لطمه على خده، وتم عمل مونتاج للشريط ولم تظهر اللطمة .. وعاد إلى سيارته وهو يفرك يديه مسرور لوقوع مثل هذا الصيد الثمين اً في شراك لعبة (الروليت) الإقتصادية .. السودانية !.. (الضحية) هذه المرة من السودانيين (الأقباط) ، والأموال تخص بعض أهله ، كما اثبتت التحقيقات، وكانوا يستعدون لنقل تجارتهم، أو جزء منها إلى خارج الحدود، خوفاً من حالة الفوضى التي كانت تعم كل أرجاء البلاد، وخوفاً أيضاً من الشعارات التي رُفعت في ذلك الوقت . شعر أفراد الأسرة وصديقهم ( عادل ) بالقلق، بعد أن تم نقل ( مجدي ) بسرعة من مركز شرطة شارع (1) بالعمارات، إلى جهاز الأمن، وبعدها إنضم إليه مساعد الطيار ( جرجس ) ، ونقلا يضاً من هناك إلى سجن كوبر العمومي، الذي كان مشرع الأبواب أيامها (ومايزال)! لتلقف المزيد من السياسيين، والمشتبه فيهم إقتصادياً،حسب قرارات اللجنة الإقتصادية، إضافة للمنتظرين فيه، والمحكومين في جرائم أخرى .
أصبحت المقابلة بالنسبة ( لمجدي ) صعبة بالنسبة لأفراد الأسرة، ولكن ( عادل ) وبحكم وظيفته السابقة، كان يجد الفرصة .. وبعلاقات خاصة في إيصال بعض الإحتياجات العادية إليه .
*****
" غد الجمعة، الساعة الثانية عشر ظهراً .. ستتم محاكمة ( مجدي ) ، في حديقة السيد علي الميرغني، بشارع النيل !". عبارة قالها رجل الأمن شفاهة لأفراد الأسرة المجتمعين ، أمام الباب الخارجي لمنزل الأسرة
بالخرطوم (2) ، وإنصرف ساخراً . ولكنها عبارة ظلت تتردد في آذانهم وقلوبهم وعقولهم طيلة تلك الأيام، اللاحقة والسابقة للأحداث، ويسمعونها حتى في نومهم .. لفظاعتها .. وغد المحكمة !!؟ .
ومنذ صباحها الباكر، تجمع الأهل، والأصدقاء، والمعارف أمام سور المحكمة بشارع النيل . استطاع البعض الدخول ألى حديقة المكان، وجلسوا تحت اشجارها .. حتى منتصف النهار، لم يحضر ( مجدي ) ، ولا اّّّّياً من حراسته . وانصرف بعض الأخوة، مع بعض الأهل والأقارب لتأدية صلاة (الجمعة) في أحد المساجد المجاورة للمنطقة، وعند عودتهم رأوا .. الرائد ( وقتها ) إبراهيم شمس الدين عضو مجلس الثورة، وأصغر ألأعضاء سناً، وحداثه، .. وحتى رتبة عسكرية، يساعد بعض الجنود في تنظيم كراسي قاعة المحكمة، ويصدر تعليماته بالعدد المسموح له بدخول قاعة المحاكمة .
حوالي العصر، وقف أمام البوابة الرئيسية للحديقة موكب مكون من ثلاث سيارات، الأولى سيارة من نوع ( لاندكروزر ) ، نزل منها الرائد ميرغني سليمان ، أحد ضباط سلاح الإشارة سابقاً و (ملحوق ) للأمن ( نُقل إلى أديس ابابا عاصمة اثيوبيا في عام 1990 م، بعد المحاكمات، ليعمل قنصلاً في السفارة السودانية !؟ ) ، وكان قائداً لتيم الحراسة المكلف وهم مدججين بالسلاح، والسيارة الثانية نزل منها ( مجدي ) ، ومتهم آخر يدعى علي بشير مريود ، كانا يرتديان الجلابيب السودانية المعروفة ويتبعهما بعض الحرس، أما السيارة الثالثة فكان بها طاقم الحرس . انتظم الموكب داخلاً من بوابة السور الرئيسية، وعبروا الحديقة إلى قاعة المحكمة مباشرة .
كانت والدة (مجدي) ، وإخوته .. و (عادل) بداخل القاعة التي اكتظت بجمهرة من الناس، رغم أن اليوم عطلة اسبوعية .. أناس حتى الأهل لا يعرفونهم، ولكن كان في نظرات البعض ًتعاطفا لا تخطئه عين .. خاصة نظرات بعض الجنود .. المباني داخل الحديقة مقسمة إلى عدة أجزاء . انعقدت محكمة (مجدي) في جزء منها، وفي الآخر محكمة المتهم (علي بشير المريود) ، والذي وُجد بحوزته، كما قيل ونُشر في صحف تلك الأيام : -
(37.350)ألف دولار أمريكي .. وألف ومئة دولار أخرى لوحدها .
محكمة (مجدي) أتخذت إسم المحكمة الخاصة رقم (1) ، و ( المريود ) المحكمة الخاصة رقم (2) ، ولكل قضاتها من العسكريين ، الذين يحاكمون ولأول مرة في تأريخهم العسكري مواطنين مدنيين .
(مجدي) داخل قاعة (محاكمته) يتبادل إبتسامات مع والدته، وإخوته، والأهل وبعض المعارف .. برغم أن أعصابهم جميعا كانت متوترة ومشدودة .
قائد المطبعة العسكرية (حالياً لواء بنفس المنطقة) ، والرائد (وقتها) حسن صالح بريمة ل
بسلاح الطيران (حالياً عقيد أ . ح .) ، أما ثالثهما النقيب مهندس يوسف آدم نورين ل
دخلت هيئة المحكمة إلى القاعة يتقدمهم : رئيسها المقدم (وقتها) عثمان خليفة
مهندس من القوات الجوية ( الأخير له قصة لاحقة، إذ تم طرده من القوات الجوية وجُرّد من رتبته العسكرية، وسجن لمدة ثلاث سنوات بسجن منطقة الجريف غرب، بتهمة إستلام المال المسروق، وقبض عليه مرة أخرى بعد إنتهاء محكوميته لإشتراكه في المحاولة الإنقلابية ضد النظام، والتي أدعى النظام قيامها بزعامة شيخهم السابق د . حسن عبدالله الترابي زعيم المؤتمر الشعبي ).
الجمعة الأخيرة من شهر نوفمبر 1989 م، بدأت إجراءات المحكمة العسكرية الخاصة رقم (1)
والمتهم ( مجدي محجوب محمد أحمد ).. والتهمة .. الإتجار في العملة الأجنبية (رغم التوضيح السابق عن كيف وجدت هذه العملة لدى الأسرة، ومن أين أخذها رجال الأمن؟ !).
حُرم محامي ( مجدي ) ، الاستاذ ( عبدالحليم الطاهر ) من مخاطبة المحكمة مباشرة، وهو أمر يتنافي مع طبيعة الأشياء، خصوصاً وأن الإتهام خطير، والعقوبة المتوقعة أخطر -رغم أن المحكمة سمحت في محاكمات سابقة أن يخاطبها المحامون مباشرة - ولكن محامي ( مجدي ) تم منعه، والمحاكمات السابقة هي :
(1)محاكمة المتهم والوزير السابق ( عثمان عمر )وكان وز ير اً للإسكان قبل للإنقلاب، وحُوكم بتهمة التصرف في أراضي الدولة بالبيع؟ !!!
(2) محاكمة الدكتور ( مجذوب الخليفة أحمد ) وكان حاكماً للإقليم الشمالي، واتهم ببيع لبن خُصص للإقليم لتوزيعه على المواطنين كإغاثة إبان كوارث السيول والفيضانات .
بدأت الإجراءات وقدم رجال الأمن قضيتهم ضد المتهم . قال أحدهم ويدعى (حسن حمد) أن
المعلومات أفادت أن (مجدي) لديه عملة أجنبية، ستتحرك (يتم نقلها) ، وقال آخر يدعى ( أزهري ) أن المعلومات تقول أن المتهم لديه عمله؟ !.. لم يرد في أقوال الإتهام أو في علمهم الشخصي أن المتهم قام أو يقوم، في أي وقت من الأوقات، بأي نوع من أنواع هذا النشاط، ولا حتى في معلوماتهم، بمعنى أنه لم تقل المعلومات صراحة أن المتهم يتاجر في العملة . إذا كان هناك شكّاً في الأقوال والقاعدة القانونية تقول : ( يفسر الشك د ئماً لصالح المتهم .).. وعلى الإتهام إثبات التهمة ببينة أفضل .. بعد مناقشات بين المحامي والمتهم، (كصديق)! ؟، وشهود الإتهام .. والمحكمة .. أتضح أن ( مجدي ) لم يضبط وهو يتاجر في العملة، بل أ ُخذت من منزله ..! ومن داخل خزانة المرحوم والده !!.. وهو لم يجمعها من برندات الأسواق أو المتاجر المختلفة، كما يفعل غيره .. كما لم يسمح له بإستدعاء محامي (التركة ) ، والذي سيشهد بأن الأموال التي والساعة تقترب من الرابعة بعد الظهر (غروب الشمس ). كاد رئيس المحكمة أن يقرأ الحكم الجاهز قبل إعطاء المتهم فرصة هل أن هناك أسباباً تدعو لتخفيف الحكم، وهي الطريقة المتبعة ً قانونا بأن يسأل القاضي المتهم مثل هذا السؤال؟ ! وعندما أحس بهذا الخطأ القانوني، بعد أن همس له أحد الأعضاء بذلك، أمر برفع الجلسة لمدة (5)دقائق .. للتداول في الحكم بين الأعضاء الثلاث؟ !!
كانت (5) دقائق حاسمة تمثل الفاصل بين العبث والحقيقة .. بين الحق والباطل . مرت
بطيئة كأنها دهر ، خيّم خلالها الصمت على الرؤوس .. وعادت هيئة المحكمة .. ومباشرة .. وفور جلوسهم قرأ رئيسها الحكم :-
" جاء في أسباب إدانة المحكمة للمتهم، أن شهود الإتهام أثبتوا أن المتهم يتاجر في العملة
الأجنبية، وذلك لما توفر لديهم من معلومات، وأنه تعرف على مفتاح الخزانة .. في الظلام، وبإقراره بحيازة هذا النقد الأجنبي، وبناء عليه حكمت المحكمة بإعدام المتهم مجدي محجوب محمد أحمد، شنقاً حتى الموت، ومصادرة المبالغ موضوع الإتهام، وإعادة مبلغ ال (750)ألف جنيه سوداني لشاهد الدفاع ( عادل أحمد محمد الحاج )..(لم تُعاد إليه طيلة هذه السنوات ..)." أنظر ملحق المحاكمة في البلاغ
–267- أمام المحكمة الخاصة رقم (1)الخرطوم .. في الملحقات ".
*****
ذهول .. وصمت مطبق، خيم على جميع من بالقاعة؟ ! وأنهمرت الدموع .. دموع رجال غالية .. وأم .. بدأ قلبها في التمزق وكبدها في التلاشي .. اخوة ألجمت المفاجأة ألسنتهم، .. و ( عادل ).. أنفعل وقاد قتالاً شرساً (مشادة كلامية) حماية لصديقه .. و (مجدي). المتهم وكعادته كان يهدئ من ثورة الجميع،
طالباً منهم بحرارة، أن يدعو الله له .. وأن يلزموا الصبر .. ويفوضوأ أمرهم إلى الله .
في نفس التوقيت .. كانت المحكمة الخاصة رقم (2) قد انتهت من إجراءاتها، وحكمت
على المتهم (علي بشير المريود).. بالإعدام ً شنقا حتى الموت؟
خرج الجميع، خارج قاعة المحكمة .. على شارع النيل، وحفيف الأشجاروأوراقها التي تتساقط على الشارع وتحدث صو تا كأنه الدموع .. دموع الطبيعة .. والنيل الأزرق .. هذا العملاق الأبدي يشاهد كل هذه الأحداث .. بصمته الرهيب .. والمحيّر . و ( مجدي ).. هذا الصامد .. في أحلك الظروف .. وبعد ليلة إلقاء القبض عليه بمنزله، تم إلقاء
القبض على مساعد الطيار، بالخطوط السودانية (جرجس ) ، نقل من مركز شرطة شارع (1) بحي العمارات إلى مبنى جهاز الأمن، وهناك ا ُجريت له تحقيقات من نوع فريد، ليلاً ونهار اً. لم يسمح له بتناول كفايته من الأكل، أو النوم، أو الإستحمام . رُحّل بعدها إلى سجن (كوبر ) قبل المحاكمة بسبعة أيام، حيث أ ُدخل في قسم المعتقلين السياسيين . كان عددهم حوالى (650)معتقلا سياسياً في الأقسام المختلفة .. أصدر مدير السجن بالإنابة، العميد سجون ( موسى الماحي ) أمر بأن يوضع مع مجموعة من المعتقلين السياسيين في القسم (ج ) ، منهم : الصحفي محجوب عثمان الوزير السابق أيام الرئيس نميري، والأمير نقدالله من قيادات حزب الأمة، والمهندس عقيد (م) صلاح إبراهيم أحمد ، والدكتور المرحوم خالد الكِّد ، والأستاذ المحامي مصطفى عبدالقادر ، والقاضي عبد القادر محمد أحمد ، والدكتور سمعان تادرس ،والدكتور سعيد نصر الدين ، والمقدم (م) عمر عبد العزيز وستة أفراد آخرين من الحرس الخاص للسيد الصادق المهدي، رئيس الوزراء السابق قبل الإنقلاب !.. والقسم (ج) هذا .. به غرفتان فقط .
أتى ( مجدي ) بصحبة حرس من السجون .. إلى هذا القسم، يقوده (وكيل عريف) سجون
إسمه ( دومينكو ) . كان في حالة ضعف نوعا ما، ولكنه متماسك وواثق من نفسه وسأل مجموعة الحاضرين : (من أنتم؟) ، وطلب منهم أن يستحم ويغسل جسده المنهك .. رحب به الحاضرون،الذين كانت قد وصلتهم أخبار القبض عليه .. وعرّفوه بأنفسهم، وهدأت ثائرته قليلاً بعد أن تعرّف على أحد المعتقلين وهو المهندس عقيد (م) صلاح إبراهيم أحمد وهما من منطقة واحدة في شمال السودان (منطقة حلفا).. نال إستحماما هادئاً، واسترخت عضلاته المتوترة، إلاّ أن وجهه كان ينبئ عن هدوء مثير، ووضاءة لا تخطئها عين .. أحبوه جميعا لدماثة خلقه، ومشاركته لنفير طعامهم الذي كان يؤتى به من منزل أحدهم
بالتناوب، وكل يوم تعد أسرة أحد المعتقلين بالقسم (ج) وجبة دسمة، بدلاً عن طعام السجن (المعروف)..وأخذ سهمه معهم في ذلك، وأحضرها إليهم (عادل) في المداومة اليومية معهم كعادته، صباحا .. ومساءا ًتمت المحاكمة في يوم (الجمعة ) ، كما ذكرنا آنفاً، وأحضروه إليهم هذه المره وهو محكوما عليه بالإعدام .. ووضع في زنزانة أخرى مع المحكومين بهذا الحكم .. كان بها الدكتور (مأمون يوسف)أخصائي أمراض النساء، في قضية (إضراب الأطباء الشهير ) ، وأضيف لهما ( علي بشير المريود ) والذي حوكم في نفس وقت وساعة محاكمة (مجدي ) ، بالمحكمة الخاصة رقم (2) ، ومساعدالطيار (جرجس) ، والطالب (اركانجلو داقاو ) من أبناء الجنوب، والذي تم ضبطه بمطار الخرطوم، وكان يستعد للإلتحاق بجامعة (ماكريري ) بدولة يوغندا، وهو يحمل معه مصاريف دراسته بالعملات الحرة، بعد أن باع جزء من أبقار أهله بالجنوب .. ومتهم آخر يدعى (هانئ وليم شكور )تم إستبدال حكم الإعدام ضده بمبلغ (30) مليون جنيه سوداني، لأن والدته ذكرت أنه وحيدها .. وتم دفع المبلغ .. وأطلق سراحه لاحقاً . وكان يسمح لهم جميعاً بزيارة معتقل السياسيين في قسمهم نهاراً، وتبادل الأحاديث معهم .
*****
الأيام تمر ببطء، والكل في إنتظار نتيجة الإستئناف الذي تقدم به المحامي الأستاذ (عبد الحليم الطاهر ) ، نيابة عن (مجدي).. تم تقديم الإستئناف للسيد رئيس القضاء (وقتها ) والرئيس الحالي !! للمحكمةالدستورية القاضي (جلال علي لطفي )ورغم ذلك كان الكل يركض في جميع الإتجاهات، بحثا عن مخرج أو بصيص أمل .. حتى بعض السفراء الأجانب استغربوا من قسوة هذا الحكم وكان يقود محاولاتهم السفير المرحوم (عبدالله السريّع ) سفير دولة الكويت، وسفير حتى السودانيين داخل بلادهم .. لما امتاز به من حسن الخُلق، وطيب المعشر، وعلاقات شتى مع قطاعات عريضة من مجتمع الخرطوم .
ما زالت الأيام تمر ببطء .. والدته تحركت مع مجموعة من الشقيقات، ونساء الأهل والمعارف علهن يحلن دون وصول حبل المشنقة إلى رقبة (مجدي). قابلن السيد رئيس القضاء بمنزله، علّه يطلب منهم تقديم إسترحاماً .. أو ينير الطريق أمامهن بصورة قانونية .. ولكن سيادته قال لهن جملة واحدة،أصابت الكثيرات منهم بالإحباط : " اخوته .. هم الذين تقدموا بالبلاغ ضده ". انتهت المقابلة وطُردن من المنزل .. حاول معه السيد محمد توفيق، والسيد داؤود عبداللطيف رجل الأعمال المعروف .. ولكن !.
حاولت (الأم ) عدة مرات مقابلة رئيس مجلس قيادة الثورة (الفريق) عمر البشير .. في أحداهاقابلها رجل متوسط العمر، به شبه منه، قال لها إنه إبن عم الرئيس، وطلب منها أن تحضر في صباح الغد مبكرةً، ليدخلها المنزل الرئاسي (الجديد) مع الرجل الذي يأتي باللبن يوم يا .. نفّذت نصيحته .. أتت في الصباح الباكر، وجدت الرجل الذي قال لها إنه أخبر (الرئيس) ، الذي يطلب منها الحضور بعد ستة أيام، لأنه مسافر .. إلى أين لا تدري؟ ولا إجابة للهفتها على إبنها، .. ستة أيام .. كثيرة جد .. خاصة وان حبل المشنقة صار يقترب، ويتأرجح .طرقت أبواب أصدقاء زوجها .. أحمد سليمان المحامي المعروف (أحد مفكري الإسلاميين، بعد أن كان عضو مشهورًا باللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني ، وأحد أعمدته).. عز الدين السيد رجل الإقتصاد المعروف .. عبد اللطيف دهب، سفير السودان الأسبق بالمملكة العربية السعودية .. ولكن لا شيئ !!
بعضهم حاول .. وبعضهم (غفر الله له)!..الساعات تتناقص وتركض نحو لحظة التنفيذ .. والأم زرعت العاصمة طولاً وعرضاً، تحاول وتحاول ..وتحاول مرة أخرى .. وتتصل .. عسى أن يكون هنالك بصيصاً من الأمل .. وصلتها معلومة مفادها أن (رئيس مجلس الثورة ) سيكون في (استاد الخرطوم) عصر اليوم، ليشهد حفلاً لتخريج دفعة جديدة من ضباط القوات المسلحة .. ذهبت وبناتها وبعض النسوة من الأقارب .. انتظرن أمام بوابة الخروج الرئيسية ..!.. ولكن ، كعادة حكام العالم الثالث، خرج موكب السيد (الرئيس) بسرعة لم تمكنها حتى من رؤيته، فضلاً عن الحديث معه، ولكنهن لحقن به .. وبسرعة يضا إلى (منزله) بالقيادة العامةللقوات المسلحة .. أحد الحرس أمام بوابة المنزل الضخمة .. سمح لها هي فقط بالدخول .. دخلت إلى صالة الإنتظار التي بها عدة كراسي
للجلوس، تهاوت على أحدها من الألم .. والغبن .. والقهر، ولكنها لم تكن تشعر بالتعب أو الجوع .. كانت زوجة الرئيس (الأولى) – ( إذ أنه تزوج مرة ثانية .. من زوجة زميله عضو مجلس الثورة العقيد -لاحقاً- إبراهيم شمس الدين، الذي أحترقت به طائرته العسكرية مع بعض قيادات القوات المسلحة .. في جنوب السودان )!..كانت زوجة ( الرئيس ) تتبادل الحديث مع إحدى ضيفاتها، وتصف لها روعة الإحتفال الذي كانت
قادمة منه مع زوجها .. جاءت والدة (الرئيس) وجلست بالقرب منها .. أخبرتها الأم بقصتها، وانها والدة (مجدي).. أبدتً تعاطفا معها، ونهضت وإتجهت إلى غرفة في نهاية الصالة، تفصلها ستارة من القماش الخفيف لا تمنع الرؤية بعد التدقيق بالنظر بالنسبة للجالسين بالصالة، خلفها كان يقف السيد (الرئيس ) مستعد للخروج .. وشاهدت الأم من مكانها طيف والدة الرئيس .. وهي تخاطب إبنها (الرئيس)..! وقليلاً ً من الوقت عادت لتقول لها : أن (الرئيس) خرج، وهو غير موجود ! ؟ .. نظرت الأم إليها بدهشه، لكنها صمتت ولم ترد عليها إلا بالقيام مسرعة لتواصل محاولاتها .. ولم تستمع الأخرى إليها .. وهي تدعو الله ..دعاء حار من قلب أم .. بدأ فعلاً في الإحتراق .. وكانت حرم (الرئيس) كل ذلك الوقت، تحكي لضيفتها عن ( روعة ) إحتفال، ضباط القوات المسلحة، في ذلك اليوم .الساعات تتراكض نحو النهاية ..و (الأم ) لم تفقد الأمل، هرولت (إن صح التعبير) ، نعم هرولت إلى سجن (كوبر ) لتملئ عينها من (مجدي ) ، وكان قلبها يحدثها - وقلب الأم د ئما دليلها - إن هؤلاء ( الناس ) ينوون شر بإبنها .. وإن الحكم ي سينفّذ !. لم تستطع مقابلته وطلب منها الضابط (المناوب ) بالسجن أن تحاول الإتصال بالسيد (زين العابدين محمد أحمد عبدالقادر) أحد رجالات (نميري ) الأقوياء، وأحد نجوم مجتمع الخرطوم وقتها .. فعلاً ذهبت هي وإبنتها .. وتعاطف الرجل معها بشدة، هو وزوجته، وركبا معه في سيارته وعند بوابة منزل (الرئيس ) بالقيادة العامة، إعترضهما الحرس .. عرّفهم بنفسه ولكنهم أجابوه بغلظة واضحة : "الرئيس .. غير موجود " ؟ !. أخبرهم بالقصة .. وأن والدة ( مجدي ) معه بالسيارة، ولم يتبق إلاّ ساعات لتنفيذ حكم الإعدام .. ولكنهم هذه المرة أشهروا مسدساتهم وهم يرددون : " الرئيس .. غير موجود "!.. لحظتها بكى هذا الرجل .. القوي، من القهر .. وأنسحب . رجعت (الأم ) إلى المنزل ومعها إبنتها، وكل الخرطوم في ذلك الوقت كانت بالمنزل، ولكن ..لعبة ( الروليت ).. كانت قد بدأت في الدوران .
*****
( عادل ).. تحرك في جميع الإتجاهات . لم يترك باباً إلاّ وطرقه آملاً في نجاة صديقه . كان يأتي يومياً .. في تمام الساعة السادسة والنصف صباحاً إلى سجن (كوبر) ، يحمل معه اللبن، والجرائد، والمجلات، وبعض ألعاب الكمبيوتر الصغيرة .. يتبادلان الحديث، والمدهش أن (مجدي ) كان يتصرف، ويتحدث بتلقائيته المعهودة، بينما كان (عادل ) يجاهد ليبدو طبيعياً، وكان صوته يخرج عميقا ومرهقاً، كأنه قادم من أعماق سحيقه داخل نفسه، ويتجنب النظر في عيني صديقه حتى لا يرى ألمه الهائل .. وفي المساء يحضر معه طعاماً، وبعض الملابس ويجلس معه لفترة . أخبره في أحدى هذه الزيارات أن (الوالده ) لها محاولات مع السيد (الرئيس ) حاكم النظام الجديد . أمتعض وطلب منه أن ينقل إليها رفضه لذلك .. والدائرة تدور ..والساعات تتناقص نحو المصير .. المحتوم .
*****
كأي يوم سبت عادي، أشرقت شمس ذلك اليوم على الخرطوم، في منتصف ديسمبر 1989م
ظهرت صحف ( الثورة ) ، كالعادة تُمجِّد رجالها، وتلعن الأحزاب ورجال الحكم السابق، ولكن لفت نظرالناس أن هناك عناويناً بارزة في كل الصحف ذلك الصباح تقول :ً
" تم أمس تنفيذ حكم الإعدام على تاجر عملة .. ومخدرات ." الخبر بصورته تلك، كان يُقرأ على أن تاجر العملة هو نفسه تاجر المخدرات .. رغم أن المقصود بتاجر العملة (مجدي)..! أما المخدرات فكانت تخص مو اطناً مصرياً، اُتهم مع بعض السودانيين، ولكن
الأدلة أثبتت انه صاحبها .. كما يقولون . وكان الخبر أيضا لقراءة رد الفعل لدى الشارع السياسي، وخاصة ً لدى العسكريين منهم، الذين في الخدمة أو الذين تم طردهم منها تحت مُسمى ( الصالح العام ) ، وخاصة رد فعل (خبر ) قتل (مجدي ). أكتمل شروق الشمس، والمعتقلين السياسيين يتجولون في فناء السجن، بحثاً عن الدفء في بداية هذا اليوم البارد، وبالقرب منهم بقية المحكومين، والمنتظرين لأحكام .. و (مجدي) ومجموعة الإعدام .. أي أنه كان حيّاً يرزق . تقاطر أهله أمام بوابة السجن فور قراءتهم لخبر صحف ذلك اليوم . وجاء (عادل )مسرعا .. همس أحد المعتقلين السياسيين لجاره بالأخبار .. لم يصدقها لأنه أشار بيده ناحية (مجدي ) ، الذي كان وقتها يقترب منهم ليبادلهم التحية ويجلس معهم .. ولم يخبروه .مدير السجن العمومي اللواء سجون (حجازي عابدون ) عندما قرأ الخبر هرول إلى بوابة السجن الرئيسية، حيث تجمع أهل (مجدي) تتقدمهم والدته وأخوته، وأخبرهم أن الخبر غير صحيح !.. طلب منهم الدخول فدخلوا إلى مكتبه، حيث أحضر لهم (مجدي ).. ولم تنطق الشفاه .. ولكن الدموع كانت تنساب بحرقة، ملهبة حتى للقلوب .. طمأنهم (مجدي ) أنه بخير وطلب عودتهم للمنزل، كما طلب من صديقه (عادل ) أن يحضر له بعض الأشياء الخاصة عند عودته مساء بطعام (الغداء).. وخرجوا .. لكن نظرات ( الأم ) كانت تقول أن هناك ً شيئا !.
انتظر (عادل ) قليلاً مع صديقه لحين إكتمال إنصراف أفراد الأسرة للمترل، عندما نهض ليودعه، على أمل اللقاء به في ظهر ذلك اليوم كالعادة، همس له مدير السجن : (بأن يأتي إليه لوحده الساعة الحادية عشر قبل الظهر !) ، حينها كان (مجدي ) متجها بصحبة حرسه إلى زنزانته، بينما كان (عادل )يجاهد الأّ تقع عيناه عليه، واضطرب وجيب قلبه .. ولكنه تماسك .. خارجاً، لايدري إلى أين؟!
عاد مسرعا إلى مكتب مدير السجن، وطلب منه أن يخبره بالحقيقة مباشرة، وإنه أو (مجدي ) سيتحملان هذه الحقيقة .. مهما كانت النتائج .. كان الحزن يكسو وجه المدير، الذي أخبره بصوت متأثر، بأن الإستئناف المقدم من المحامي تم رفضه، وقرأ عليه قرار رئيس القضاء الذي كان فحواه : " أن المتهم من الذين يشتغلون بالتهريب، وأنه من أسرة تمتهن التهريب وتخريب الإقتصاد، ويطالب بتوقيع أقسى العقوبة، والتشديد فيها .. وإنه يؤيد .. الإعدام ." وبالقرب من هذا القرار كان هناك توقيع رئيس مجلس الثورة، .. الشهير .. (أوافق)!!.. وأخبره ايضاً، أن تنفيذ الحكم سيتم الليلة، بعد أن أحضر (الملف) إبراهيم شمس الدين، عضو مجلس الثورة .. أحضره بنفسه إلى إدارة السجن، حيث سيتم التنفيذ .. والإعدام .ولأنه مقاتل، وخاض غمار الحروب، خاصة في جنوب البلاد ورأى فيها ما رأى، تلقى (عادل )الأمر بثبات الفرسان عند المحن، وطلب من المدير أن يسمح له بمقابلة ( مجدي ).. أستجاب لطلبه .. أندهش (مجدي) عندمل رأى صديقه بالمكتب وهو لم يفارقه إلاّ منذ قليل، ورأى في نظرات صديقه لمعاناً وبريقاً، يبدو كالضوء الخافت قادماً من على البعد، وبادره قائلاً : " عادل .. ماذا هناك؟ !!". لم يتمالك (عادل ) نفسه أخبره بفحوى قرار السيد رئيس القضاء وتأييده من رئيس مجلس الثورة .. وهو الإعدام، وسيتم التنفيذ ..الليلة .
لم يصدقا نفسيهما عندما رأيا (مجدي ) يبتسم وهو يمازح صديقه قا ئلاً : " هل تصدق يا عادل انني حلمت بأبي اليوم .." . وصار يهدئه، مو اصلاً أن الأمر لله وحده .. وأجهش (عادل ) ومدير السجن بالبكاء هذه المرة .. ولكن بصوت مكتوم، كدوي المدافع، ومراجل الصدور عندما يعتريها الغضب والشعور بالغبن والمهانة . أمر المدير بفك قيوده، وأجلسه قرب صديقه، وجلس ليدون على بعض الأوراق إجراءات الإستعداد .. لإعدام (مجدي ).. و (مجدي ) هاد ئاً يوصي صديقه :-
" بداية أوصي الجميع بالصبر، لأنها إرادة الله . لا تعملوا لي مأتماً .. ووالدتي بعد الوفاة تذهب إلى القاهرة، تبتعد عن البلد لفترة، لعل الزمن يداوي جراحها . آرجو أن يأتي فوراً محمد ومندور وكذلك الأخ مجدي مأمون حسب الرسول . وحساباتي المالية عندك، أرجو أن تتركها معك، إذا ظهرت لي ديون من أي شخص، أرجو أن تسددها بنفسك لألقى الله بريئا منها، وإذا تبقى منها شيئ وزعه على الفقراء من ( الأهل .. والناس ).. كان هاد ئاً وهو يتكلم ، و (عادل ) في حالة لا يعلمها إلاّ الله ولكنه يحاول التماسك .. في حوالى الساعة الواحدة بعد الظهر تم إجراء الكشف الطبي عليه، وتم أخذ وزنه وطوله .. وهوكان رائعاً كالعهد به، شامخا بتاريخ أسرته .. ووالده .. وفي منتهى الثبات . كان الوحيد الذي تابع معه هذا الإجراءات (عادل ).. هذا الوفيِّ حتى في لحظات الموت الذي يخيم بشبحه الرهيب على المكان .. و يضا كان يراقب الأحداث بصمت، لأن زمن الخوف .. والرهبة أنتهى، وأصبح الأمر و اقعاً .. وهم اولئك الجلادون، حتى غريزة الخوف داخل النفوس ! ، وعندما تموت مثل هذه الغريزة (الإنسانية ) داخل النفوس ! تبدأ لحظات المواجهة مع التحدي، ورغم الألم، ومرارة الإنتظار، لابد أن تشتعل جذوة الأمل في الحق .. والحقيقة .. والإنتصار .
أنتهت " مراسم " الإستعداد، لإعدام ( مجدي ) ، وسار بهدوء يتبعه حرسه، وتشيعه نظرات مدير السجن، (عادل) وبقية الموظفين الذين كانت دموعهم تسبق إجراءاتهم إلى زنزانته، وفي الطريق إليها عبر القسم (ج) ، حيث كانت أنظار كل المعتقلين السياسيين تتابعه، وبعضهم أجهش بالبكاء، وانسابت دموع البعض .. بهدؤ وهم يهدئون زملائهم .. ابتسم لهم (مجدي ) ، وأقترب من أحدهم، وهو (محامي ) مشهور طالباً منه بأدبه الجم ، أن يرسل إليه كو با من الشاي .. أرسله إليه في زنزانته مع حارس عابر في الممر والعبرات تكاد تخنقه من الحزن على هذا الشاب الوضئ .. الخلوق .. المهذب والهادئ حتى في أحلك الظروف .. وفي المساء أ ُضيئت الأنوار الكاشفة، بعد المغرب مباشرة، داخل السجن وخارجه، وانعدم الهمس والكلام بين الناس بداخله، حتى موظفي السجن كانوا يقومون بأعمالهم، وهي أشياء تعودوها بالممارسة ..كانوا يقومون بذلك في صمت، ونظرات زائغة، كأنها شعور بالذنب .. والظلم .
*****
إتصل ( عادل ) بممدوح في القاهرة، وأخبره بتسارع الأحداث والمستجدات . هرول الشقيق وسط زحام القاهرة المعروف إلى منزل الرئيس الأسبق ( نميري ) ، طالباً تدخله .. إتصل الأخير بالرئيس المصري ( حسني مبارك ) ، الذي بادر فور تلقيه النبأ بالإتصال بقائد (الثورة) الجديد في السودان، الذي أفاده أن ضرورة إستمرار الثورة تقتضي قرارات حاسمة !.. عادت كل هذه الإتصالات (لممدوح ) بفقدان الأمل وأخبر ( عادل ) في الخرطوم بذلك .. كانت الساعة تقترب من التاسعة مساءً (في ) ذلك اليوم، و (عادل ) مرابط داخل مباني السجن . أتاه ضابط سجون وأخبره أن التنفيذ .. بعد قليل وأنه سيذهب إلى (مجدي ) في زنزانته ليقرأ معه بعض آيات من القرآن الكريم .
نعم .. لقد أحب هذا الشاب كل من رآه . خرج (عادل) وجهز تصاريح المرور اللازمة لمرور جثمان (مجدي) إلى أهله عبر نقاط التفتيش العسكرية، لوجود حالة الطوارئ وحظر التجوال أيامها .. وفعلاً، جهّز أوراقاً لأكثر من ثلاثين عربة كانت تخص الأهل والأصدقاء والمعارف، المتجمعين خارج أسوار السجن .. ًوعند عودته في منتصف تلك الليلة، قابله (ملازم ) سجون خارجاً من غرفة الإعدام وهو يبكي بألم، وقال : ً" ياسيد (عادل).. أخوكم مات .. راجل؟ !!.
أستلم أحد الأقارب حاجيات (مجدي ): النظارة، وبعض الملابس، بينما تطايرت أوراق تصاريح المرور من يد (عادل ) ، الذي كان مذهولاً وقتها، حتى جمعها أحد الجنود من الأرض ووضعها في يده .أصطفت سيارات الأهل والأصدقاء والمعارف، بعد منتصف الليل بقليل، خارج أسوار السجن، وجاء(عادل ) واشقاء (مجدي ) يحملون جثمانه من الداخل عبر البوابة الرئيسية، ووضعوه في سيارة صديقه (مرتضى حسونه ) ، واتجهت السيارات عبر (جسر ) القوات المسلحة متجهة جنوبا إلى منزل الأسرة بالخرطوم (2) سمحت نقاط التفتيش وقتها بمرورهم السريع، لأن على جانبي الطرق كانت تتحرك
سيارات أخرى تراقب .. وتتابع هذا الموكب .. بداخلها (الزبير محمد صالح) ، (فيصل أبو صالح ) وكان وز يرا ً للداخلية، و (صلاح الدين كرار ).. و (إبراهيم شمس الدين).. أعضاء مجلس الثورة (الحاكم ) ، ولكن لعبة( الروليت ).. ما زالت مستمرة .. ولابد لها من أهداف أخرى .وصل الموكب إلى المنزل، حيث كانت كل الأنوار مضاءة .. والزحام رهيب، ولا يوجد موضع لقدم أو مكان لسيارة .. كل الأهل هناك في الخرطوم ) ).. 2 وكل أصدقاء الأسرة .. وحتى أ ُناس لا يعرفو??مأتوا .. والأقارب الذين أتوا من (سُُُرّة) وبعض قرى حلفا القديمة، وحلفا الجديدة، وسفراء وقناصل بعض الدول يتقدمهم صديق الأسرة .. وكل السودانيين، سفير دولة الكويت المرحوم (عبدالله السريُع ) ، وبعض
رجال المال والأعمال والإقتصاد من أصدقاء والده المرحوم (محجوب) ، وبعض الدبلوماسيين من أصدقاء المرحوم (جمال محمد أحمد).. ذلك الدبلوماسي والأديب الرائع الذائع الصيت، في حياته .. وبعد مماته، وكل أبناء وبنات الأهل .. وكل كهولهم .. بإختصار كل من كان يعرف تلك الليلة .. بالخرطوم وما يدور فيها، خاصة سكان الأحياء القريبة من الخرطوم (2) ، والذين تحدُوا حظر التجوال، وهي شهامة عُُرف بها أهل هذا البلد .. وفعلاً، وكما قال الأديب ( الطيب صالح ) " من أين أتى هؤلاء القوم؟ ".. هل يعرف الحكام الجدد مثل هذه الروح السودانية .. التي أزهقوا واحدة منها هذه الليلة؟ !.. كانت مخابراتهم ورجالها، حركاتهم وتحركاته?م ظاهرة للعيان .. في كل الشوارع المجاورة، وأجهزتهم الصوتية واللاسلكية يتردد صوت وشوشتها أحيانا ً، لأن كل المنطقة في ذلك الوقت .. وكل الناس، كانوا في حالة من الصمت الرهيب لا يسمع خلالها إلأّ بعض هنات وآهات حرُى، يكاد زفيرها يحرق حتى الأشجار المجاورة، لأن القهر يحجر حتى الدموع في العيون ويمنعها من التساقط .. (ولذلك .. ورغم مرور كل هذه السنوات مازال الجرح .. ند يّاً .. طرياً في قلوب الكثيرين .. والكثيرين جدا ..).
تم إدخال (الجثمان ) إلى غرفته، وحاولت والدته إلقاء نظره أخيره على وجهه هي وبناتها، ولكن تم منعهن بحزم من بعض كبار رجال الأسرة، لأن للشخص بعد إعدامه م نظر لا يمكن أن يمحى من الذاكرة، وذلك بتغير شكله الطبيعي .. خاصة منطقة العنق .. وهنُ ، وكل الأهل لم يروا (مجدي ) في حياته إلأّ جميلاً في شكله .. وقبل ذلك في أخلاقه .. جلس كل الناس الحاضرين، حول المنزل وداخل الأسوار وفي ممرات
طوابقه، يعلوهم حزن هائل .. ومخيف، في إنتظار إنبلاج الفجر وظهور الضياء لكي يتحرك موكب التشييع إلى مقبرة (فاروق ) ، حيث المدافن العامة، حيث والده واعمامه، وبقية المتوفين من العائلة .. ليرقد بجوارهم .. وتحت التراب، ليحكي لهم ما يدور على سطح الأرض .. أرض السودان .. ونظام حكمه .. الجديد . تحرك الموكب في حوالي الساعة السابعة والنصف صباحاً، والزحام الرهيب يغطي الطرقات،
والشارع الرئيسي في سوق الخرطوم (2) ،والمتجه جنوباً، توقفت حركة السير فيه ونزل بعض المواطنين من المواصلات العامة وأنضموا للموكب بدافع سوداني (فطري) ، هو الشهامة والشعور بأن هناك ظلماً أحاق بصاحب الجثمان .. وانتشر رجال الأمن يراقبون الموقف ..(إبراهيم شمس الدين ) بسيارته الكريسيدا البيضاء، يقودها من على البعد ويد على المقود، والأخرى قابضة على جهازه اللاسلكي يعطي الأوامر .. وانتشرت سيارات الشرطة حول المقبرة، وخارج أسوارها .. ولأول مرة تقدم الموكب فتيات الأسرة ونسائها عندما صمت بعض الرجال .. هتفن ضد الظلم، لاعنات هؤلاء الجلادين من رجال النظام وعلى رأسهم (إبراهيم شمس الدين ) والسيد (رئيس القضاء )؟ ! .. وأنطلقت حناجر الجميع .. وكان بركاناً . و .. ( إبراهيم شمس الدين ) كان هناك في الناحية الغربية لسور المقبرة .. من الخارج .. يراقب الموقف حتى إنتهت مراسم الدفن، وطلب البعض الهدوء، عند العودة للمنزل، حتى لا يتشفى ذلك ( الرابض ) خلف السور في جمهرة الناس ويأمر بإطلاق النار .. حتى داخل المقبرة، وهم الذين فعلوا ما فعلوه (بمجدي ).. دون أن تطرف لهم عين، أو تأخذهم شفقة . أستجابت الجموع على مضض لهذا النداء وعادوا صامتين . وبقي (مجدي ) جوار أبيه ( محجوب ).. ولكنه هذه المره كان هاد ئا فعلاً ذلك الهدوء المثير والأبدي .
*****
كانت أيام العزاء لهذا (الشاب) ملحمة وطنية . يعتري الغضب النفوس بصمت، ويظهر في العيون المحمرُة من الإنفعال والسهر . ورغم ثراء الأسرة ومحاولاتها إكرام ضيوفها المعزُين من طعام وشراب، كعادة السودانيين في مآتمهم، إلاّ أن أحد لم يذق طعما لشراب أو يجد لذة في أكل .. الكل في حالة ذهول . وطيف ً (مجدي ) يحوم حولهم بإبتسامته الدائمة .. ويغمرهم بدفء أخلاقه الحميدة .وأيامها، حتى بعض العسكريين من الأصدقاء والمعارف، لم يترددوا ولو للحظة من حضور مراسم الدفن وأيام العزاء .. وكانت أعين الأجهزة الأمنية تراقبهم، لكنهم لم يجبنوا .. ولم يستطع الأهل أو (عادل ) أن ينفذوا وصية (المرحوم ) بشأن العزاء، لأن سيل القادمين إليهم كان بالكثرة التي لا يستطيعون
منعها .. كان هؤلاء تحملهم عواطفهم، وتعاطفهم وهي وحدها تقود السودانيين عندما يشعرون بأن هناك ظلما قد حاق بأحدهم.




 

الحكم علي متهمي المحاولة الانقلابية التي يرأسها قوش


الأحد 07 أبريل, 2013 18:17 بتوقیت أبوظبي
طارق التجاني- الخرطوم - سكاي نيوز عربية

أفاد مراسلنا في السودان بأن المحكمة العسكرية في الخرطوم أصدرت الأحد أحكاماً مخففة بحق المتهمين في ما يعرف بـ"المحاولة الانقلابية" ضد حكومة الرئيس عمر البشير في نوفمبر 2012، تراوحت بين السجن والطرد من الخدمة العسكرية.


وقضت المحكمة التي عقدت بشمال الخرطوم بالسجن خمس سنوات والطرد من الخدمة العسكرية للعميد محمد إبراهيم عبد الجليل الشهير بلقب "ود إبراهيم"، والرائد حسن عبد الرحيم.

كما قضت المحكمة بالسجن 4 سنوات والطرد من الخدمة للعقيد محمد زاكي الدين والعقيد فتح الرحيم عبدالله، و3 سنوات والطرد من الخدمة للمقدم مصطفى محمد زين، واللواء عادل الطيب والعقيد الشيخ عثمان والمقدم محمود صالح، وبالسجن عامين للمساعد عمر عبد الفتاح.

وحكمت المحكمة ببراءة حسن مصطفى من "مجموعة سائحون" والرقيب أبو عبيدة الذي ارتضى أن يكون شاهد ملك.

وتنتظر هذه الأحكام مصادقة البشير عليها بوصفه قائداً للقوات المسلحة.

وكانت الحكومة السودانية قد وجهت الاتهام رسمياً لمدير جهاز الأمن السابق الفريق صلاح عبد الله قوش و(12) آخرين من العسكريين والسياسيين بالتخطيط والتدبير لمحاولة انقلابية تخريبية، بقيادة العميد "ود إبراهيم".

وكان أول ظهور لـ"ود إبراهيم" عندما أعلنت اسمه بعض الصحف في تسريبها عن التشكيل الوزاري الأخير بالسودان في سبتمبر من العام الماضي، وأشارت وقتها إلى أنه مرشح لوزارة الداخلية، وأن ذلك تمهيد لخلافته البشير في قيادة السودان.

وأرجأت السلطات السودانية محاكمة ضباط جهاز الأمن وهم من المدنيين وأبرزهم صلاح قوش إلى وقت لاحق.